العيد.. نكهة لا تغادر ذاكرة الأجيال

أزمة المياه ليست وليدة الساعة

215

ريا عاصي – إيفان حكمت – ذوالفقار المحمداوي /

للعيد نكهته المميزة لدى العراقيين على الرغم من تبدل الأجيال ونمط حياتها ومتطلباتها، فالعيد هو مفردات راسخة ترسمها طبيعة هذا الشعب المحب للحياة، والقادر دوماً على اقتناص الفرح من بين الأهوال والمصائب التي ظلت تلاحقه جيلاً بعد جيل.

يأتي عيد رمضان هذا العام والعراقيون يتطلعون الى مستقبل افضل والى تشكيل حكومة تمثل التطلعات المشتركة لأبناء هذا الوطن، بعد رابع انتخابات تشريعية،عدّها مراقبون انها تمثل مرحلة فاصلة في حياة هذا الشعب العريق.

على إيقاع أغاني أم كلثوم

الأرجوحات، مدينة الألعاب، سينمات ومسارح “أيام زمان”، الكليجة، وبيجاما العرفات وألوان ملابس صبيحة العيد، كلها طقوس لاتغادر ذاكرة الأجيال رغم كل التغيرات حولنا. انها كهلال العيد ظلت تحتفظ بهيآتها ولم تخف ملامحها الممتدة في تفاصيل العيد من زمن البساطة الى زمن التكنلوجيا.
على إيقاع أغنية أم كلثوم “الليلة عيد” التي تكرر بثها الإذاعات ومحطات التلفزيون كل ليلة عيد على مر الأجيال، تنشغل العوائل العراقية بطقوس استقبال المناسبة السعيدة، تنغمس النساء مع عجينة “الكليجة” والتفنن بتشكيلها وحشوها بمواد مختلفة، فيما ينهمك الأطفال في تحضير ملابس العيد الجديدة التي لابد منها مهما كانت ظروف العائلة المالية.

الأطفال هم حالة استثنائية، وخاصة في اعياد العراقيين، فالآباء والأمهات على السواء يعيشون فرحة العيد في عيون اطفالهم، الأطفال مدللون في العيد اكثر والمال يجري بين أيديهم مستغلين سخاء من يحبون فتتكدس جيوبهم الصغيرة بـ”العيدية”، يحلقون عاليا في رحلة على متن سفينة نوح وعالم الألوان والأضواء والفرح.

هذه الثوابت ظلت تصارع الزمن في رسوخها، لكن تغييرات بسيطة طالت تفاصيلها نتيجة التطور الحاصل في مختلف مناحي الحياة بفعل التكنولوجيا وثورة الاتصالات، مع أن العراقيين مازالوا يحافظون على نكهة المناسبة عبر التشبث بما رجح منها في ذاكرة الأجيال.

طقوس وتقاليد

الحاج جاسم علوان، رجل ستيني من سكنة منطقة العيواضية القريبة من باب المعظم، يستذكر طقوس العيد في سبعينات القرن المنصرم بالقول: “رغم ان خياراتنا كانت محدودة، إلا أن فرحتنا بالعيد كانت بسعة طفولتنا وبراءتها، حيث كان أبناء المنطقة يتجمعون في اليوم الاول ويتوجهون الى سينما مترو في منطقة الفضل القريبة من منطقتنا كطقس يتكرر كل عيد”، ويضيف الحاج علوان ضاحكاً وهو يتحدث لـ”الشبكة”: “كانت افلام العيد تقتصر على قصص رعاة البقر، ولم نكن نفهم من قصة الفلم شيئا، لكننا نتابع مواقف (الولد)، وهي التسمية التي كنا نطلقها على بطل الفلم الذي نصفق له بحرارة حين يقضي على أعدائه، أما أجمل الذكريات في طقوس سينما مترو فهي صراخنا بصوت واحد الى مشغل آلة العرض حين ينقطع الشريط (أعور)، حيث كان الرجل كريم العين. وبالرغم من دخول التلفزيون الملون للبيوت العراقية في سبعينات القرن المنصرم لكنه لم يثن العوائل عن ممارسة عادة زيارة السينما،والعيد يمثل مناسبة جيدة للتمتع بعروض الشاشة الكبيرة.”

السيرك ومدن المولات

ويستذكر أمين الأوتجي ايام زمان ويقول لـ”الشبكة”: “من أجمل اللحظات التي كنا نقضيها كأطفال في تلك الفترة هي حضور فعاليات السيرك، حيث لم يكن ثمة سيرك عراقي، لكننا تعودنا على زيارة السيرك المصري في تلك الأعوام، حيث عروض (لاعبي الخفة)، والبليادشو ومسابقات الرمي، إضافة الى عروض حديقة الحيوانات المصاحبة للسيرك.” ويضيف الأوتجي: “كانت سرادق هذا السيرك تنصب في ساحة منطقة العوينة القريبة من ساحة الخلاني والتي تحولت فيما بعد الى مبنى أمانة العاصمة في الثمانينات.”

بين جيلين تفصل بينهما عدة عقود من السنوات، تغير الكثير من طقوس العيد نتيجة التطور الذي غزا حياتنا، قد تبدو الملابس الجديدة من ثوابت هذه الطقوس عند الأطفال على وجه الخصوص، لكن طقوس اللهو تغيرت كثيرا، فلم تعد دور السينما ضمن أولويات الأطفال، ولم يعد السيرك حلماً يلهثون خلفه.

الآن، باتت المولات المنتشرة في المدن قبلة العوائل في أيام العيد، لاسيما تلك المولات التي تحتوي على دور العرض السينمائي وصالات ألعاب الاطفال.
أسلحة الأطفال

غير ان تلك الأجواء لم تحقق للأطفال خصوصية الاحتفاء بهذه الأيام المباركة، فلم يجدوا أمامهم سوى التوجه نحو الألعاب التي تباع في الأسواق، خصوصا تلك المتواشجة مع الوضع الأمني الذي كان سائدا، كالأسلحة النارية والـ”صعادات” والعاب نارية وصوتية مختلفة والتي تلعلع في جميع المناسبات، حتى وان كان فوزا في مباراة لكرة القدم.

هكذا انتشرت الأسلحة بيد الأطفال خلال أيام العيد بما تخلفه من أذى بين أوساطهم، والتي تصل الى ان تخلف إعاقات دائمة تقود الى مشكلات اجتماعية جنائية وعشائرية.

وطبقا للإحصاءات الرسمية التي توردها الجهات الصحية والأمنية، فإن هناك العشرات من الأطفال أصيبوا بعاهات بسبب ألعاب العنف والقتال البلاستيكية بأشكالها وأسمائها المشابهة لأسلحة الكبار كال«البي كي سي» والقناص و«الكلاشنيكوف» وغيرها وبعضها يحمل أجهزة ليزرية أو يطلق أعيرة تحتوي مادة متفجرة أو طلقات بلاستيكية صلبة قد تؤذي العينين في حال تعرضهما مباشرة لتلك المواد.

أحد مستوردي تلك الألعاب يقول، انها تلقى رواجاً كبيراً، خصوصا أيام العيد، ويضيف عادل رشيد، في حديث لـ”الشبكة”، ان “الأرباح الكبيرة تشجع التجار على استيرادها وتوزيعها على المحال والأسواق، وعلى الرغم من تحذيرات الجهات المختصة وإعلانها فرض عقوبات على مستوردي هذه الألعاب وبائعيها، الا انها تزداد انتشارا من عام الى عام.”

هذه الصورة السوداوية ليست هي المشهد الكلي للاحتفاء بايام العيد، بل هناك صور جميلة مثل العروض الخاصة بالاطفال، والانتشار التدريجي للالعاب المائية في بعض المتنزهات، إضافة الى العروض السينمائية الخاصة بالاطفال وانتشارها حديثا في المولات ومشاركة الأهالي لأطفالهم في حضور تلك العروض، اضافة للعروض المسرحية التي بدأت الحياة تدب فيها بعد توقف دام أكثر من ثلاثين عاما.

مسرح الطفل

تقول الممثلة إسراء علي ان “مسرح الطفل لا يقل أهمية عن مسرح الكبار، بل هو أعقد انتاجا منه في بعض الاحيان”، وتطالب إسراء عبر حديثها لـ”الشبكة”، بتفعيل مسرح الطفل، خصوصا بوجود قاعات العرض المسرحي المخصصة لهذا الغرض، مثل مسرح الفانوس السحري، وقاعة المسرح الموجودة في مكتبة الطفل، كما ان دار ثقافة الاطفال وفرقة المسرح الوطني تقع على عاتقيهما مهمة تفعيل هذا المسرح لخلق وعي متقدم عند الطفل العراقي، لاسيما وان مناسبات مثل الأعياد توفر الأجواء والوقت لارتياد هذه المسارح ومشاهدة تلك العروض.

كيك بـ”الكريمة”

في ذاكرتي يرتبط العيد بالسينما بعطر شانيل والكعب العالي الذي كانت ترتديه والدتي في اماسي نهاية الأسبوع والأعياد ، وتلبسنا ملابس العيد التي كنا لا نرتديها الا في طلعات (الكشخة) ونركب الباص الأحمر التابع لمصلحة الركاب ليقلنا الى الباب الشرقي ويقف في اخر محطة له مقابل تسجيلات جقماقجي التي تقف محلها عمارة كبيرة يسمونها اليوم بناية المطعم التركي، ومنها نلتقي بوالدي وعائلة صديقه لنعرج على احدى سينمات بغداد في شارع السعدون او الرشيد واذكر جيدا كيف يقف ابي في طابور من رجال يرتدون اجمل البدلات الرسمية وبأربطة عنق كبيرة وجميلة (الباينباغ) وفي الاستراحة كنا نشرب (التراوبي) ونأكل الكيك بالكريمة.

السينما لإبني مختلفة تماما، فهو ولد زمن الحصار حيث لا صالات للعائلة. اذكر يوما كنا في الشام وأخذته لدار الحمراء للسينما صباحا لمشاهدة فلم (مدغشقر) حين سألني بلا مبالاة :لم نشاهده هنا؟؟ يمكننا عرضه بالـ(دي في دي) في المنزل مع جدتي وجدي، يومها عرفت بأن طفولته لاتشبه طفولتي.
المولات

صارت المولات تمثل فسحة كبيرة للعوائل العراقية المحتفلة بالعيد، فهي تزخر بقاعات مكيفة وحديثة تعرض كل ماهو حديث ومرغوب لدى الشباب. زيد فاضل، صاحب مشروع صالات السينما في مولات بغداد، تحدث للشبكة قائلاً:

بدأ شغفي بالسينما حينما كنت صغيرا وشاهدت لاول مرة فلم (الأميرة والنهر) في سينما بابل، وهو فيلم رسوم متحركة عراقي. بعدها صارت احدى اهم هواياتي هي مشاهدة عروض افلام بروس لي وفاندام وكل ابطال الأفلام القائمة على القتال الفردي، لذا قررت أن أقوم بإقامة دور عرض سينمائية، ساعدني في ذلك المرحوم والدي بالتبرع بمبلغ مالي يمكنني من اقامة دار عرض سينمائية في نادي الصيد العراقي عام ٢٠١١، ومن ثم اقمت صالات عرض عام ٢٠١٣ ومن بعدها توالت افتتاحات صالات في مول زيونة والنخيل ومن ثم في مدينة الحلة في محافظة بابل.

صباحات العيد

أمضت ام محمد (45 عاماً) الصباح الأول لأيام عيد الفطر المبارك بحملات التنظيف، التي اعتادت وابنتها القيام بها في كل عيد، فتغير ديكور المنزل، وتنقل الأثاث من مكان الى اخر، فهي تستعرض تنظيفها للمنزل امام الزائرين من الأقارب والجيران، وكل هذا لايخلو من الإفطار المميز الذي ياتي صباح يوم العيد، فالكاهي والقيمر والعسل والدبس والبيض والجبن والزبد والكليجة بأنواعها والشاي المهيل هي ماتميز هذا الجو العائلي الجميل، فهو اول فطور بعد شهر كامل من الصوم، والأطفال والأولاد يريدون انهاء الفطور بسرعة لكي يلبسوا ملابسهم الجديدة وينظروا الى ابائهم الذين يدخلون الى قلوب الأولاد السرور باعطائهم العيدية فتراهم فرحين بتقديمها، حيث يبقى الأطفال والأولاد هم الرابحون، والنساء والبنات يتزينّ ويتجملن وهن بدورهم بانتظار العيدية.

صرافة

مبكراً ينهض ابو محمد (33 عاماً)، ويصطحب اولاده لأداء صلاة العيد، ثم بعد ذلك يلتمس من صاحب الأسواق القريبة من منزله، بعض “الخردة” لكي يوزعها بين اطفال الأقارب والجيران عند زيارتهم له، ولكي يكفي مبلغ المال المخصص لهذا الغرض، حيث يقول: مع شديد الاسف ان الأحوال تغيرت هذه الأيام، فعندما كنا اطفالاً، كنا نرضى بالقليل عند اعطائنا المال في العيد، وكنا قنوعين وفرحين بما يعطى لنا من الأقارب والجيران، فالمراجيح ودولاب الهواء والفرارات الخشبية، وركوب الخيل والحمير، وحتى الأطعمة البسيطة، من سندويشات البيض والكبّة والسميط، هي اقصى السعادة بالنسبة لنا، إلا أن في هذه الايام، قد يفاجأ الاطفال عند اعطائهم القليل، ويصل ذلك حد البكاء احياناً، ويطلبون الكثير، معللين: لقد تغيرت الأحوال واصبح غلاء الألعاب وما يبتغيه الأولاد سببا في طلب المزيد من النقود، وقلة المتنزهات والأماكن الحكومية المخصصة للألعاب، هو همّ جديد يضاف الى هموم طلبات الاولاد في ايام العيد.

“كليجة”

وبينما يذهب الآباء والأبناء الى الحمّامات المخصصة للرجال، حيث كانت البيوت آنذاك تخلو منها، تصنع الأم وبناتها “الكليجة”، فالجميع يعرف ماذا تعني هذه المفردة، انها اول كلمة في قاموس العيد العراقي، انها رمز للسعادة، وعنصر مهم في هذه الايام، حيث تقوم الأمهات وبناتهن في كل بيت عراقي، بصنع الكليجة بكافة أنواع الحشوات من الجوز المبروش والسمسم والتمر والسكر والهيل، وبعد طهوها تقوم الأم بارسال البعض منها، وتوزيعها على الجيران، وبالمقابل ترد الأطباق مملوءة بنوع وشكل اخر منها، وهذه العادات والتقاليد لا تختلف في كافة مدن العراق بل حتى في أريافها، وهنا نتخوف أن تتغير هذه العادات والتقاليد المتوارثة وأن يصيبها خطر الانقراض، فاليوم لانشم الروائح الطيبة من المنازل كما كانت انوفنا تستمتع وتنتظر المعجنات التي طبخها الجيران.

فطرة العيد

بعد صلاة العيد يذهب الكثير من العراقيين لزيارة المقابر فهي من التقاليد التي حرص العراقيون على ممارستها، فهم لاينسون احباءهم المتوفين في هذا اليوم، ومن ثم يقومون بزيارة العتبات المقدسة، بعدها نجد في عيد الفطر الكثير من مراسم التسامح والإخاء والإحساس بالفقير، حيث تجمع كل عائلة مبالغ من الأموال، اوالأقمشة والمواد الغذائية، وتقوم بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، وتلعب هذه الحالة دوراً مهماً في اضفاء روح المحبة بين البشر، والإحساس بالآخر.

يقول امجد (27 عاماً): عائلتي تجمع الفطرة في كل عيد، وانه موروث ملتزمون به بتعاقب الأجيال، إلا أن البعض من المنازل قد هجرتها الفطرة بسبب صعوبة المعيشة، ما حال دون تخصيص مبلغ يكفي لاعطائه للفقراء.
المصالحة ورسائل العيد

حامد مدلول(22 عاماً) عازم على مصالحة ابن عمه الذي كان على خلاف معه، يقول: لقد كنت منتظراً للعيد لنيل الصلح، ولأنه من الأيام المباركة سأكون اول الزائرين له، وكسر حاجز العداوة التي بيننا، وان هذا ماتعلمناه من آبائنا وأجدادنا، بأن لا نترك اية خصومة وعداء لاي احد في العيد، فما هو الا فرصة ثمينة نستغلها لتنقية النفوس.

حسرة

ويستذكر الصحفي يوسف المحمداوي (55 عاماً) بحرقة وحنين امتزجتا بحسرة: استعداداً لاستقبال العيد يبدأ شارعا الرشيد والنهر بمحلاتهما، حسو إخوان، وأورزدي باك، ونعيم نعمو، وأحمد خماس، وزبلوق، وصادق محقق، والحذاء الأحمر (ريد شو)، والحذاء الذهبي، وباتا، وصالح محسن، وفي الأعظمية الشريط الأخضر وحكمت جيتانو والخياط سامي السامرائي ومحال مجيد ونة، وأقمشة يوسف محمد طه، كل يعرض ألبسته وأحذيته وأقمشته مع وجود خصومات لجلب الزبائن وتحفيزهم للشراء، فيقوم الرجال وحسب ميزانيتهم وأذواقهم بشراء الألبسة الجاهزة أو التفصيل عند الخياطين، فالملابس الجديدة جزء من العيد، والرجال والأولاد يزورون محال الحلاقة لقص وتهذيب الشعر، حيث تبقى محال الحلاقة مفتوحة طوال اليوم والى ساعات متأخرة، وليلة العيد الى الصباح ولآخر زبون.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.