الفصل العشائري.. أعراف أقوى من القوانين

2٬627

ريا عاصي – إيفان حكمت /

تسود المجتمع ظاهرة فرض السُنن والأعراف العشائرية بدل القوانين التي تحكم علاقات الأفراد فيما بينهم من جانب، وبين الأفراد والمؤسسات الحكومية المعنية بحماية مصالح الدولة ومصالح الأفراد كالسلطة القضائية بجميع مفاصلها ووزارتي الداخلية والعدل من جانب آخر، والتي تعاني ضعفا كبيرا في مجمل مفاصلها.

ويتم تطبيق تلك الأعراف على مراحل، وفق ما يروي الشيخ عيسى كاظم لـ”الشبكة”، إذ تبدأ عشيرة المعتدى عليه بـ”نفض الكوامة” على عشيرة المعتدي، و”الكوامة” تعني توجيه الإنذار لتلك العشيرة، أما المرحلة الثانية، ففيها تطلب عشيرة المعتدي “عطوة” من عشيرة المعتدى عليه، و”العطوة” تعني مهلة زمنية كي يتسنى لها الجلوس الى عشيرة المعتدى عليه ودفع الدية المناسبة، ويُشترط بمن يطلب “العطوة” ان يكون من عشيرة ثالثة وليس من العشيرتين المتخاصمتين.

وفي حال تثبيت موعد الجلسة، على عشيرة المعتدي ان ترسل الى عشيرة المعتدى عليه مبلغا من المال يسمى “الفرشة”، أي المصاريف التي تنفق على مستلزمات الجلسة العشائرية، ويخصم مبلغ “العطوة” من مبلغ الفصل أو الدية.

ومن طقوس الجلسة العشائرية، ان “تنكل” اي تصحب معها شيوخ عشائر أخرى ورجال دين ووجهاء الى الجلسة، ومن طقوسها انه لا يحق لأفراد عشيرة المعتدي الحديث أو النقاش ويكون الأمر منوطا بعشيرة المعتدى عليه والأفراد “المنكولين” مع عشيرة المعتدي، ومن طقوسها أيضا أن يبدأ الفصل أو الدية بمبلغ كبير، ثم يخفض بدرجات متفاوتة تكريما لهذا الشيخ ورجل الدين الذي يجب ان يكون “سيداً” حصراً، أي من سلالة الرسول (ص)، وحامل “العطوة” ليصل أحيانا الى خمسة بالمائة من المبلغ الذي بدأ به، وفي الآونة الأخيرة بدأت بعض العشائر بتخفيض الفصل أو الدية تكريما لشهداء الحشد الشعبي، وفي نهاية المطاف، تبدأ مراسم “شد الراية” وتسمى راية العباس، نسبة الى الإمام العباس بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، حيث يقوم شيخ عشيرة المعتدي بشد طرف الراية، وهي قطعة قماش بيضاء على طرف عصا معدة لهذا الغرض، فيما يقوم شيخ عشيرة المعتدى عليه بشد الطرف الآخر للراية على الطرف الآخر للعصا ومن ثم تسلم الى السيد الهاشمي ليفتح الراية، وغالبا ما تفتح الراية بتخفيض المبلغ المتبقي من الفصل الى النصف، تقديرا لاسم الإمام العباس (ع)، والهدف من هذا الطقس هو الإعلان عن تصفير المشكلة بين العشيرتين وسيادة السلام بينهما.

الفريضة.. القول الفصل

في بعض النزاعات العشائرية تكون الحقيقة غائبة أو مغيبة حيث تلتبس الظروف الغامضة على الشيوخ “المنكولين”، ويصعب الحسم في تلك النزاعات. وفي هذه الحالة تلجأ العشيرتان الى “الفريضة” وهو رجل معروف بين العشائر بالحكمة والعدل، حيث يستمع “الفريضة” الى العشيرتين، وبعد تمحيص الأمر يصدر حكمه بينهما، ويكون حكمه باتاً غير خاضع للنقاش أو النقض.

ومن تلك الأسماء المعروفة بين العشائر ولاسيما في محافظات الجنوب والفرات الاوسط، سلمان بن غيلان، المولود في محافظة ميسان قضاء المجر الكبير ومن أشهر القضايا الغامضة التي حل رموزها هي قصة “الضرّتين” حيث قامت إحداهما بخنق رضيعها أثناء الليل لأجل اتهام ضرّتها والتخلص منها، غير ان ابنها البكر كان صاحيا ومثّل دور النائم خوفا من ان تكتشف أمه مشاهدته لجريمتها. أسرعت الأم القاتلة شاكية لزوجها بأنَّ ضرَّتها قتلت ولدها الرضيع. تخاصمت عشيرتا الضرّتين واتهمت كل منهما الأخرى بقتل الرضيع ولم يكن أمامهما سوى اللجوء الى الفريضة سلمان بن غيلان الذي طلب إحضار الضرتين واستفرد بكل منهما، وعرض عليهما ذات العرض، ان تخرج الى الديوان وتسير أمامه رافعة طرف ثوبها. الأم القاتلة وافقت على الفور، فيما رفضت ضرّتها بشدة، وقبلت ان تكون متهمة بقتل الطفل على ان تقوم بهذا الفعل الشائن أمام الرجال المتواجدين في ديوان بن غيلان. بعدها جاء الفريضة الى الديوان واصدر حكمه بأن الأم الحقيقية هي القاتلة، حينها صرخ ابنها البكر: صدقت ايها الشيخ وانا شهدت جريمتها.

المرأة.. ضحايا الأعراف العشائرية

تصر بعض العشائر على ان تضاف الى الفصل أو الدية نساء من العشيرة المعتدية كتعويض عما تراه حقها في رد الحيف الذي لحق بها.

يقول الشيخ يحيى بدير، وهو حاصل على بكالوريوس ادارة واقتصاد: تسمى المرأة التي تقدم كتعويض عشائري بـ”الفصلية” وهي على نوعين، “الجدمية”، أي التي تتزوج أحد أبناء العشيرة المعتدى عليها فورا، و”التلوية” التي تحجز للزواج بعد أن تبلغ سن الرشد، لأنها غالبا ما تكون بعمر صغير لا يبيح لها الزواج.

وينتقد الشيخ يحيى هذه الظاهرة في حديثه لـ”الشبكة” قائلا انها تتعارض مع أبسط حقوق الانسان، حيث تعيش هذه المرأة تحت وطأة ظروف نفسية قاسية ناتجة عن معاملة عائلة الزوج باعتبارها جارية مجردة من جميع حقوق الزوجة.

ويستشهد الشيخ يحيى بما قامت به إحدى العشائر حيث قدمت خمسين امرأة كـ “فصل عشائري” نتيجة نزاع مسلح.

ويؤكد ان وجهاء ونخباً عراقية سعت الى وقف هذا العرف عبر محاولات توقيع ميثاق شرف عشائري يلزم العشائر بتحريم زج النساء في الفصول العشائرية، مؤكدا حرمة المرأة العراقية وقدسيتها الدينية والاجتماعية.

وكانت المرجعية الدينية في النجف الأشرف قد أعلنت صراحة رفضها وتحريمها التعامل مع المرأة كفصلية لنزاعات عشائرية.

الحقوقي والخبير القانوني طارق حرب يقول: ان اعتبار النساء أدوات للفصل العشائري وثمناً لهذا الفصل يقوّي فعل الاتجار بالبشر الذي يعاقب عليه بالسجن المؤبد طبقا لأحكام المادة 6 / ثانيا من قانون مكــــافحة الاتجـــــار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 وذلك لأن مصــطلح الاتجار بالبــــشر الوارد في المادة الاولى من هذا القانون يستغرق هذا الفعل باعتبار استغلال السلطة والولاية للأب والقريب على المرأة بواسطة التهديد او القسر ما يرتب ضررا معنويا للمرأة عندما تدفع هي الثمن لفصل من عشيرة الى عشيرة اخرى.

ويضيف حرب: ان هذا الفعل يعاقب عليه قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 بالسجن مدة تصل الى عشر سنوات طبقا للمادة التاسعة من هذا القانون والتي قررت بأنه لا يحق لأي من الأقارب او الأغيار إكراه اي شخص ذكراً كان او انثى على الزواج دون رضاه ومنحت هذه المادة الحق لمن تعرض للإكراه بمراجعة سلطات التحقيق مباشرة.

الأطباء ضحايا الأعراف أيضا!

لم يسلم الأطباء من تغوّل بعض أبناء العشائر في طلب الفصل منهم نتيجة اتهامات متعددة تبدأ في كون الطبيب سبباً في وفاة المريض ولا تنتهي باتهامات تصل حد الغرابة.

يروي الطبيب علي. س، في حوار تابعته “الشبكة”، ان رجلا حضر الى عيادته مستصحبا امرأة معه للمعاينة وهي تشكو بعض الآلام، يضيف الدكتور: بعد الأسئلة الروتينية، والاستفسار عن الحالة النفسية لها فوجئت في اليوم التالي بحضور بعض الاشخاص الى عيادتي مدعين أنهم أقارب المرأة مطالبين إياي بالجلوس للفصل العشائري الذي غرّمني عشرة ملايين دينار عراقي.

ويقول الدكتور عمر الصالحي لـ”الشبكة”: ان تكرار ظاهرة الاعتداء على الأطباء وطلب تعويضات عشائرية منهم جعلت بعضهم يضطر الى الهجرة خارج العراق، لأن الطبيب لا يمكنه العمل تحت أجواء الضغط النفسي، ويضيف: بالرغم من صدور قانون حماية الأطباء عام 2013، الذي أقره مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية ونصت بعض مواده على “حماية الأطباء من الاعتداءات والمطالبات العشائرية والابتزاز”، فإن التهديدات والاعتداءات ما زالت تطول الأطباء في العراق.

دجاجة بعشرين مليون دينار!!

يغالي بعض أبناء العشائر بتضخيم الخلافات وإعطائها حجما أكبر بكثير مما تستحق، بهدف الحصول على تعويضات مالية كبيرة. ومن غرائب أمور الفصل العشائري يروي الشيخ عبد الله العكيلي وهو من وجهاء منطقة الغزالية ببغداد حادثة غريبة، ويقول لـ”الشبكة” ان دجاجة كانت السبب في فصل عشائري قدره عشرون مليون دينار، فقد اتهم احد ابناء العشائر بسرقة الدجاجة وذبحها عنوة لكن الحقيقة انه عثر عليها في الطريق العام، ويضيف الشيخ العكيلي ضاحكا: انها أغلى دجاجة في التاريخ.

الفصل الإلكتروني

سلام محيبس، شيخ فخذ لإحدى العشائر الكبيرة، يقول لـ”الشبكة”: أشارك دائما بجلسات للفصل بمختلف النزاعات بين عشائر عراقية. بعضها لم تتعد المنطق والعرف العشائري في حجم المبالغ المطلوبة كتعويض أو فصل أو دية، غير ان بعضها فيه الكثير من المغالاة.

ويضيف الشيخ سلام انه حضر جلسة عشائرية من أغرب ما يكون، حيث طلبت عشيرة من عشيرة اخرى تعويضا بمبلغ خمسين مليون دينار عن “دوسة بيت”، وهي تعني في العرف العشائري دخول بيت رجل ما عنوة، لكننا حين استمعنا الى الحيثيات، وجدنا ان رجلا من عشيرة شارك خط الانترنت لرجل من عشيرة أخرى دون علمه، ما اعتبر “دوسة بيت” الكترونية كلفته دفع عشرة ملايين دينار كتعويض.

شيوخ للإيجار!

سيف عبدالرحمن، مهندس لا يؤمن بسطوة العشيرة ولا يؤدي ما يفرضه عليه الانتماء لعشيرته، يروي لـ”الشبكة” كيف وقع ضحية نصب حين اصطدمت دراجة هوائية بسيارته المتوقفة في زحمة الطريق، يقول سيف ان سائق الدراجة سقط أرضا وأخذ يصرخ ويتأوه الما في مشهد مفضوح، وحضر الى موقع الحادث عدة أشخاص طالبوني بدفع مبلغ من المال لعلاجه وحين امتنعت هددوني بالعشيرة. يسترسل سلام: لجأت الى مفرزة الشرطة القريبة، لكنهم نصحوني بحل الموضوع وديا بدل ان يتعقد بالمخطط المروري وحجزي في مركز الشرطة لغاية أن يقرر التقرير الطبي مدى تضرر سائق الدراجة.

عرضت على سائق الدراجة مبلغا من المال مع اني لم ارتكب أي ذنب بحقه، لكنه طالب بمبلغ كبير امتنعت عن دفعه، في اليوم التالي فوجئت ببضعة رجال من عشيرة سائق الدراجة يطرقون باب بيتي مدججين بالاسلحة وبدأوا بتهديدي وترهيبي بذريعة انه مصاب بأضرار جسيمة، غير ان جاراً لي يفقه في هذه الامور طلب من الرجال مهلة لتسوية الأمر وأخذ عنوان وهاتف شيخ العشيرة، وبعد رحيلهم طلب مني الاتصال بشيخ عشيرتي، وحين أخبرته أني لا أعرفه ولم اتواصل مع العشيرة، ضحك وقال لي لا تهتم، هناك مقهى يرتاده شيوخ يمككنا استئجارهم لحل القضية. وحين ذهبنا الى ذلك المقهى انا وجاري، جلسنا الى بضعة أشخاص يرتدون الكوفية والعقال، استفهموا مني عن الحادث، بعدها بدأت المساومة، حيث قال كبيرهم، ان الفصل في هذه الحالة قد يصل الى ثلاثين مليون دينار، لكننا سنحوله الى مجرد دفع أجور الطبابة، وبهذه الحالة ستكون اتعابنا ثلاثة آلاف دولار. وبعد جهد توصلنا الى اتفاق أدفع بموجبه نصف هذا المبلغ شريطة ان لا يتعدى مبلغ الفصل الثلاثة ملايين دينار وهذا ما حدث بالفعل.
تمددت ظاهرة الفصل العشائري في مجتمعنا دون رادع حتى أصبحت عند البعض مصدرا للعيش لكن أخطر ما في هذه الظاهرة هو تقديم النساء على قربان أخطاء الرجال كجوارٍ تحت مسمى “الفصلية” التي لا تتمتع بأبسط حقوق الزوجة، وهذا الفعل يتنافى مع القوانين السماوية والوضعية التي تصون إنسانية المرأة وكرامتها، والتي تستوجب تفعيل القوانين الجنائية التي تحرم هذا الفعل.

كما ان تفعيل دور القضاء والشرطة في حل النزاعات سيقوض الى حد كبير دور العشائر الذي تغوّل كثيرا ووسع من دائرة الجريمة نتيجة حماية العشيرة لمختلف السلوكيات الاجرامية في المجتمع.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.