الفُقر جمعهم.. والغِنى فرّقهم

193

رجاء خضير /

ناقوس الخطر يدقُ معلناً انتهاء الصمت الذي ران على قلبي، وأعلن البوح بما أسكتهُ الدهر والقلب معاً… فزهرتي التي ذُبلت، وهبت الحياة لبراعم ناعمة بريئة، قد تنشر شذاها يوماً على منْ كان سر ديمومة حياتها….
فالحياة تسير ولا تتوقف عند محطة.. لكننا نحن البشر نسير ونتوقف…
نتوقف ونسير…
قالت بوجع واضح: بعد أن شارفتُ على الخمسين من عمري عليّ أن أواجه الحقيقة بنفسي، وعلى الجميع أن يعرفوها كما هي، فلابُد من ذلك. نشأتُ يتيمة الأبوين في بيت خالي الطيب، لكن زوجته كانت لا تطيقني وهو يعرف ذلك جيداً وأنا ايضاً، لذا وافق الجميع على زواجي من أول طارق طلبني، وهذا الحدث قد تصادفه كثيرات أمثالي…
تزوجته دون أن أعرفه، فلم أره يوماً، ولكنه شاهدني وأعجب بجمالي…

كان إنساناً فقير الحال لا يكاد يحصل على قوته وقوت أهله الا بمشقّة، لأن والده توفي منذ صغره، تساعده أمه في بعض الأعمال البسيطة. أما بالنسبة لتكاليف زواجه البسيطة فقد تبرع بها الأقارب والأصدقاء، وهكذا انتقلت للعيش معهم، وحمدتُ الله على كل شيء!

كنت أساعدُ أمّه (عمّتي) في أعمال البيت وتعلمتُ منها الصناعات اليدوية البسيطة، التي كانت تبيعها في الأسواق لتشتري بثمنها ما يلزم البيت من مأكل ومشرب، ثم أبدأ بإعداد الطعام وننتظر عودة زوجي لنأكل سوية، وهذه هي الوجبة الرئيسة والجيدة لجميع أفراد العائلة، نرتاح قليلاً أنا وعمتي ثم نبدأ بالعمل الى ساعة متأخرة من الليل نقضيها بالحديث والضحك…

مضت حياتنا على هذه الوتيرة لعامين من زواجنا، أنجبتُ ابني البكر ثم تلاه تؤام (بنتان) ثم الولد الرابع، وحياتنا كما هي لم تتحسن او تتغير باستثناء وفاة أمه التي أحزنتني كثيراً لأنني كنت استمدُ قوتي منها ولاسيما بعدما تغير سلوك زوجي وتصرفاته معنا، كنا ننتظره على الطعام طويلاً كالسابق ولكنه لم يكن يعود إلا بعد منتصف الليل، وحينما كنت أعاتبهُ يصرخ بوجهي ويهددني بالضرب إذا لم أسكت.

في أحد الأيام طلبتُ منه أن يأتي ليتناول الطعام معنا كما كنا في السابق وأن يتحدث إلى أولادهِ ويشاركهم فرحهم ونجاحهم في المدارس و…و.. إلا أنه اعتذر بحجة أنه على موعدٍ مع صديق سيقدم له عملاً جيداً يدرُ عليه المال الذي سيكفل لهم حياة أفضل من هذه الحياة ألف مرة، صدقتهُ ودعوت الله أن يرزقهُ…

بعد فترة طلب مني ترك العمل في البيت وبيع ما أصنعه في السوق، علّل الأمر بأن الله رزقه، وهكذا بدأت حياتنا تتغير نحو الأفضل، غيّرنا البيت القديم بآخر أكبر وأجمل، فرح أبنائي بهذا التغيير وأصبحت لكلٍ منهم غرفته وخصوصياته، ارتاح الجميع، إلا أنا، فقد ضايقني هذا الوضع الجديد بل بدأتُ أقلق على الجميع ولا سيما والدهم (زوجي)، إذ كنتُ كلما سألته عن مصدر رزقه هذا والبذخ، يسكتني بالقول: كنا نتمنى ربع ما أحصل عليه الآن؟ مابكِ، ألم تفرحي؟ فأقول له: كنا سعداء أكثر، وحياتنا هادئة أكثر من الآن!

يتركني ويخرج ليعود ليلاً مخموراً لا يعرف من الدنيا شيئاً.
وكم من مرة حدثته ليعود الى رشدهِ ويصلح حالهُ ويصادق أولاده الذين تفرقوا عن بعضهم ولم تنفع نصائحي لهم ولا لوالدهم، شكوتُ الحال الى شقيقه وحدثتهُ بمخاوفي وشكوكي حول تصرفات أخيه (زوجي) وكلمتهُ عن تفاصيل حياتنا في البيت!

وعدني أن يحدّثهُ وأن يزورنا في البيت من أجل إصلاح الوضع الذي لا يريحني أبداً.

مضت فترة وجيزة وجاء شقيقه (وعم أولادي) الى البيت وحدثه أمامنا جميعاً، بعد أن طلب من الجميع الحضور حيث كنا نجلس أنا وهو ووالدهم.. تحدثا طويلاً ودار نقاش عنيف بينهُ وبين شقيقه ثم تحدث مع أولادي، وخرج غير مرتاح مما رآه بأم عينيه!

اتصل بي هاتفياً ليخبرني بأن زوجي يعمل(!) مع مجموعة مشبوهة، كما أنني حصلتُ على معلومات دقيقة عنه، وبدأ مشوار مراقبتي له وعرفتُ تفاصيل جعلتني أنهارُ وأرقد في الفراش، وحدثت أولادي بما عرفت وتعجبتُ من رأي ابني الكبير إذ قال: أتركيه يا أمي يعمل ما يشاء وارتاحي، فأنتِ لا تستطعين تغييرهُ، ولا نحنُ.. أرجو أن تفهمي أننا نحيا في زمن يختلف تماماً عن زمنكم.

صرختُ به: لنفترضْ أن هذا ينطبق عليكم أنتم أولادنا ولو أن هذه النظرية يشوبها الخطأ… ولكن هل والدكم خُلق في زمان غير زماننا؟

وفجأة دخل علينا كالثور الهائج وقال: سمعتُ كل حديثكم، نعم أنا وأنتِ نختلفُ تماماً، كنا متلائمين حينما كنا فقراء يتصدق علينا الناس، أما الآن فأنا تطورتُ وفهمتُ الدنيا، قاطعتهُ: بالمال الحرام يا أبا أولادي! هل تربي أولادك وتسعدهم بالمال الحرام؟ قال: مسيرتكِ معي انتهت، لكِ هذا البيت والأولاد… أما أنا فسأتزوج بأخرى تناسب حياتي الجديدة وخرج.

لم أسكت بل استعنتُ بشقيقهِ وتوصلنا الى المرأة التي يعتزم الزواج بها، أحبها في سهراته وأنفق عليها المال السحت و…و…

رفعتُ رأسي الى السماء ودعوتُ الله أن يكشفهم وينتقم منهم قبل أن يورطوا آخرين معهم، ولا سيما من الشباب الطائش، هِجرَنا قرابة عام، كان يبعث لنا مصاريف البيت والأولاد… وفي يوم اقتحمت الشرطة بيتنا لتبلغنا بالتفتيش، فتشوا كل مرافق البيت وحينما سألتهم عن السبب، قالوا: زوجكِ يعمل مع عصابة خطيرة وقد أبلغ عنهم أحد أفراد هذه العصابة بعد أن اختلف معهم.

أقسمتُ لهم بأنه تركنا منذ فترة.
رد أحد أفراد الشرطة: نعرف كل شيء بأدق التفاصيل، وأكمل: لا تخافي ليس هناك أي شيء عليكِ ولا على أولادك، ولكن عليّ أن أخبرك بأن أملاكهُ وجميع ما يملك من أرصدة في البنوك ستحجز عليها الدولة… تدبري أمركِ أنتِ وأولادك.

خرج الشرطة وتركونا في دوامة ليس لها قرار… وما زلنا نجهل ما سيحلُ بنا.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.