المكتبة الأهلية في البصرة.. عنفوانٌ دائم

43

آية منصور /

ما تزال سلسلتنا الطويلة مثل قلادة حب في عنق الحياة، مستمرة، بحبات لؤلؤ تخرج لنا في هيئة مكتبات أثرت العراق بثقافة هي الأعمق والأعرق في المنطقة، وستبقى مجلة “الشبكة العراقية” تنقّب في أقاصي المدن بحثاً عن عوالم أخرى. ومكتبة اليوم هي المكتبة الأهلية في البصرة، التي تبلغ من العمر أكثر من 90 عاماً وما زالت حتى هذه اللحظة تنشد أغاني الحياة.
حقيقة البداية
أُسست المكتبة الأهلية في محافظة البصرة عام 1928 على يد الراحل فيصل حمود، الذي ولد في البصرة / قضاء شط العرب، وقرر أن يؤسس مكتبة صغيرة بسبب الحركة الثقافية التي كانت تشهد اتساعاً واضحاً في تلك الفترة والذي شجعه على ذلك أيضاً علاقاته الواسعة مع رجالات الفكر والأدب والقانون والسياسة ليفتتح المكتبة، وتحديداً في منطقة البصرة القديمة، حيث كانت في وقتها مركز المدينة التجاري، وأطلق الراحل على مكتبته اسم (الأهلية)، ربما بسبب قلّة المكتبات الأهلية (أي التجارية) وقت تأسيسها، لذلك أتت التسمية لهذا السبب على الأرجح، كما يخبرنا حفيده السيد مصطفى غازي بالقول:
– السلطات الحاكمة في السبعينات كان لها رأي آخر، إذ قررت تغيير أسماء أغلب المحال التجارية، التي تندرج أسماؤها تحت مسمّى حزبي أو رجعي، كما كان يوصف آنذاك، ومن ضمنها (المكتبة الأهلية)، مع أن المرحوم فيصل حمود لم تكن تربطه أية صلة بجماعة الأهالي، وإنما كان ذا نفَس قومي، وهو من مؤسسي حزب الاستقلال، فتغير اسم المكتبة الى (مكتبة الفكر العربي)، ثم بعد 2003 ارتأينا إرجاع اسمها الأصلي (المكتبة الأهلية) لما يحمله من قيمة تأريخية وتراثية منذ بداية التأسيس في العام 1928.
الانتشار العربي
بدأ فيصل حمود الاتصال بدور النشر العربية، المصرية منها واللبناية، وذلك لاستيراد المطبوعات وتوزيعها في البصرة، ومن دور النشر اللبناية التي تعامل معها في حينها: (دار العودة، ودار الطليعة، ودار العلم للملايين وغيرها)، أما الدور المصرية فمنها: (دار الهلال، ودار المعارف، ومكتبة مدبولي وغيرها)، إذ كانت تصل للمكتبة أهم المجلات المصرية واللبنانية مباشرة للبصرة عن طريق المطار، ومن هذه المجلات على سبيل المثال لا الحصر: (مجلة الهلال، ومجلة طبيبك، ومجلة الكواكب، وآخر ساعة، والعربي وغيرها).
منتجع الأدباء
كثير من رواد المكتبة القدامى يحبذون أن يطلقوا عليها اسم مؤسسها (مكتبة فيصل حمود)، فقد ارتادها كثير من الأدباء والأساتذة والقضاة والقراء من مختلف المستويات الثقافية، إذ لم يكن هناك شيء يُغني عن القراءة، ومن الأسماء التي كانت تتردد على المكتبة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب الذي كان يحلو له الجلوس على رُزم مرتجعات الصحف القديمة ماسكاً ورقة وقلم رصاص ليدوّن ما يحضره من أبيات الشعر أثناء جلوسه في “الأهلية”، وكذلك العالم القاضي السيد عباس شبّر، والقاضي مصطفى علي الذي أصبح وزيراً للعدل، والشعراء عبد الواحد العطار، ومقبل الرمّاح، وسالم علوان الجلبي، وغيرهم، أما الجيل الذي تلاهم فمنهم الراحل الدكتور علي عباس علوان الذي أصبح رئيساً لجامعة البصرة عام 2005 م، والشاعر محمود البريكان، والقاص محمد خضير، والقاص الراحل محمود عبد الوهاب، والكاتب الناقد جاسم العايف، والشاعر كاظم الحجاج، والشاعر الراحل حسين عبد اللطيف، والروائي كاظم الأحمدي ، والكثير من الأدباء بمختلف أجناسهم الأدبية.
تحدّي الحصار
يخبرنا السيد مصطفى عن رواد المكتبة الذين كانوا يتزايدون على نحو مستمر، لما تتمتع به من ميزة تختلف عن المكتبات الأخرى التي جايلتها، إذ سعى فيصل حمود منذ تأسيسها الى أن تكون مكتبة نموذجية بتنوع موجوداتها من العناوين بجميع فروع العلم والأدب والتأريخ والسياسة والفكر والفلسفة والدين، كما تميزت بأن تكون الوكيل الحصري لشتى المطبوعات من الدوريات العربية والمحلية إلى أشهر المجلات الأسبوعية والشهرية والفصلية، كذلك كانت الوكيل الحصري لتوزيع جميع الصحف الصادرة في العراق وما تزال كذلك.
انتقلت المكتبة الى الجانب المقابل لموقعها الأصلي تقريباً في محل أوسع من السابق وذلك بعد المباشرة ببناء جامع البصرة الكبير، وفي عام 1978م انتقل مؤسسها الى رحمة الله ليتسلم ولده البكر غازي مهمة إدارة المكتبة وبدأ بالتطوير من حيث تنويع الكتب والعمل كذلك ببيع القرطاسية ولوازمها. يضيف الكتبي مصطفى غازي قائلاً:
– بدأ العمل في المكتبة يزدهر وينمو حتى سنوات الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق حيث انحسرت تجارة الكتب كما في باقي الأعمال التجارية الأخرى.
نكسة الحريق
يخبرنا كذلك عن النكسة الكبيرة التي غيرت مجرى المكتبة، حين أحرقت بالكامل في أحداث الانتفاضة الشعبانية عام 1991م ، لكن بهمّة وإصرار الراحل غازي فيصل حمود نهضت من جديد رغم فقدان الكثير من إرثها التأريخي ومقتنيات شخصية وكتب مهمة.
– بعد التغيير السياسي الذي طرأ على العراق عام 2003 م انفتح سوق الكتب في العراق على مصراعيه بسبب تعطش السوق العراقية لمختلف انواع الكتب التي كانت محظورة سابقاً.
وفي عام 2016 قررغازي فيصل حمود تحويلها الى دار نشر وتوزيع بمعيّة ولده البكر مصطفى، وكان أول مطبوع يصدر عن دارالمكتبة الأهلية للتوزيع والنشر كتاب (صدى صرخة) للقاص البصري المعروف محمد خضير، تبعه كتاب (بهارات / مجموعة مقالات سياسية) للكاتب والشاعر البصري المعروف كاظم الحجاج.
– ما زالت الدار مستمرة في نشر نتاجات المؤلفين العراقيين وطباعتها من محافظات شتى.
انتشار غير مسبوق
بعد وفاة السيد غازي، تسلم الحفيد مصطفى غازي فيصل إدارة المكتبة والدار، واستمر بالإضافة والتطوير عبر إقامة معارض أو المشاركة في معارض تقام في البصرة لطلبة الجامعة.
واليوم، أصبح عمر المكتبة الأهلية 91 عاماً، وانتقلت إلى محلات متقاربة في منطقة البصرة القديمة بسبب عدم امتلاك مكان ثابت لها، متمنين لها مساحات زمانية ومكانية من الإبداع والتألق.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.