تحت جنح الظلام!

246

رجاء خضير /

أتسألين عن عمر تسرب من بين يدي كالماء والذي يجد طريقهُ بسهولة الى منافذ عدة لا يعلمها الا الله؟! هكذا انقضت سنواتي.. فبتُ أبحث فيها عن جذر عود يزهر ويكبر كلما تقدم بي الربيع كي أجد ضالتي تحته واتفيأ بحنانهِ لأنسى عجاف السنين.. ونسيتُ أن العطش والجفاف قد قتلا خضرتي وزهرتي قبل أن أضيع بين أوراق الخريف وأترك كل شيء ورائي لا اعرف ما سيحل بي.. وما المصير!!!

هي يتشاطرها الذكاء واللامبالاة معاً, ترى في الحيوية والنشاط والجمال صفاتها, وأحياناً يبدو عليها الانكسار والحزن لأسباب تختزلها في اعماقها خشية على براعمها من الحزن والقلق على ايامهم التي تسير بلا دفة ربٌّان مقتدر.
نعم, هي قبلت بالزواج منه لأنها أعجبت به لأخلاقه التي يتحدث بها كل منْ يعرفه , كيف لا تعرفه وهو قريب (جداً) لها.
وجدت سعادتها معه, الحب والحنان وكل شيء كانت تفتقده وجدته بقربه، وهذا ما أنساها بعض المنغصات التي تحدث بين زوجة الابن وأهله. ثم تقول مع نفسها: أليسوا اقاربي، وأنا ابنتهم، لأترك المشاحنات وأعيش بسعادة معهُ.
لم يخطر لها يوماً أن تسألهُ ما سر الخلاف بينه وبين أهله وبشكل دائم, ولماذا تختلف معاملتهم له عن معاملتهم لبقية اولادهم؟ الأمر الذي تكشف لها بعد سنوات ولكن حين لا ينفع الندم.
أنجبت طفلتها الأولى، وبمجيئها تعقدت المشاكل بينه وبين أهله فطلبوا منه ترك البيت والاستقلالية بمفردهِ, بكت كثيراً وطلبت من أم زوجها أن توضح لها السبب في هذا القرار, اكتفت الأم بقولها: هو يعرف السبب! وهكذا استأجر بيتاً صغيراً.
بعدها اكتشفت أنه يأخذ أموالاً من الأصدقاء والمعارف بحجة قضاء أعمالهم او معاملاتهم او بحجة التعيين, ثم يصرفها على لهوه وملذاته, وقد اكتشف أهله الأمر, ولما لم ينفع معه النُصح طردوه وطلبوا منه أن لايزورهم بعد الآن. بعد فترة وجيزة اضطر أهله الى بيع بيتهم الكبير لتسديد بعض ديونهِ لا سيما أن الدائنين يأتون الى اهله ويطالبون بإرجاع أموالهم من ابنهم, بعدها اشتروا بيتاً صغيراً وفي مكان بعيد, ولكن الأمر لم ينتهِ، اذ أن تصرفاته السيئة وعدم مسؤوليته تجاه زوجته وأطفاله لم تنتهِ. بعدها أنجبت ولداً, رغم معارضة أهلها لهذا الأمر وخاصة والدتها التي تقرأ في عينيها الحرمان والذل اذا ما طلبت منهم شيئاً!!
تغيرت معاملته لها.. فبعد حبه واحترامه لها كي تصمت تجاه اعماله, بدأ يضربها ويكيل لها الشتائم والسّب وهي صامته لا تتكلم معه.
في يوم دخلت شقيقتها وأمها ليسمعا ويبصرا كيف يتعامل معها فقررت أمها أن تصطحبها معها لتعيش في بيت والدها وسحبوا الأطفال منه وأخذوها وطلبوا منها أن تطلب الطلاق منه وسوف يتكفل اهلها بمعيشتها، اعتذرت منهم لتفكر بالأمر.
في المساء أخبرت أمها بقرارها، أنها وافقت على الانفصال عنه, ولكنه هاتفها ليلاً ليغيّر أفكارها، بكى وتوسل أنه لا يستطيع العيش بدونها وبدون أطفالهِ, صباحاً أقنعت والدتها بالتراجع عن الطلاق وبأنه سيأتي ويعتذر مني وأمامكم. فعلا أتى وأعادها الى بيتهما، وتكرر هذا المشهد مراراً وفي كل مرة تصدق اعتذاره وتعود.
في أحد الصباحات اتصلوا بأهلها ليخبروهم بأن رجلها انزلقت من على السلم ونقلوها الى المستشفى وهناك عرفت أمها من ابنتها الصغيرة وببراءة الأطفال قالت: والدي دفع أمي بعد أن ضربها كثيراً،بينما هي انكرت وظل صمتها مع مواقف عدة، مرة انكفأ قدر الماء الساخن, ومرة انكسر زجاج النافذة فجرح يدها و….و
وهنا لم تتمالك الأم نفسها فانفجرت به وأمام أهله وقالت كل ماعندها، فما كان من والدته الا أن تسكتها بالعبارة(هما زوجان متفاهمان, لاتتدخلي في حياتهما).
بدأ يعّلم ابنتيه على التسول من أهل أمهما ومن الأقارب يطلبان حاجات ونقوداً بإقناعهم بأنهم لا يملكون لقمة في البيت, والجميع يساعدون ويعطون ليأكل هو ويعيش كما يحلو له.
مرضت مرضاً شديداً وهبَّ الجميع لمساعدتها في تكاليف العلاج الطائلة, وبقيت مدة ليست بالقليلة تتعالج وسط دموع أطفالها الثلاثة.
شفيت وتعافت لتقترح عليها أمها أن تتركهُ فأجابتها: لا يمكنني تركه وحيداً لقد تبرأ منه أهله, من يبقى معه اذا أنا تركته؟
بعد أيام جاءها والشر ينطّ من عينيه ليقول لها: ماذا فعلتِ؟ ومع من تكلمتِ؟ لقد خسرت بسببك صفقة العمر!
انهالت عليه بالضرب والسبّ بعد أن فقدت السيطرة على أعصابها وأصابه الذهول من منظرها هذا وقد تعجبت ابنتاها ايضاً، اما الولد الصغير فقد اكتفى بالبكاء بعيداً عنهما.
بعد دقائق صمتَ الجميع لتنهار هي بالبكاء وتندب حظها العاثر, وبأنها نادمة لأنها لم تسمع كلام والدتها منذ البداية.
خرج من البيت ليأتي ليلاً وعلامات الفرح والسرور واضحة عليه, يقبلها ويتوسل بها أن تسامحه وأنه لن يكرر ماحدث، ووعدها بأن يعتني بهم جميعاً من الآن فصاعداً، صدقتهُ وابتسمت قائلة: ما الذي جعلك تتغير هكذا؟
أجاب بقلق وكأنه لم يتوقع منها هذا السؤال: لقد تلقيت مكالمة اسعدتني لأنهم وجدوا لي عملاً يدرُ عليّ المال الوفير, وطلب منها أن لا تسألهُ بعد، ذهب الجميع الى النوم, ثم ليستيقظوا على صوت والدهم يصرخ بأن أمهم تنازع الأنفاس الأخيرة، جميعهم صغار لا يعرفون ماذا يقصد! اتصلوا بأهل أمهم الذين حضروا فوراً بعد أن اتصلوا بالإسعاف حيث أخبرهم الفريق الطبي الذي كان في الإسعاف بأنها قد فارقت الحياة وسط دهشة واستغراب الجميع، لماذا وكيف؟ وفي المستشفى حاولوا تشريح الجثة ولكنهم، وهو أولهم، اعترضوا على ذلك، أما والدتها فتلح وتطلب معرفة سبب الزرقة التي اعتلت وجه ابنتها، قالوا لها بأنها تعرضت لنوبة قلبية فجائية وهي حائرة أتصدق هذا الكلام أم تصدق إحساسها الذي يشوبه الغموض والحيرة؟

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.