ترمبو.. شجعان هوليوود

189

مقداد عبد الرضا /

مرت على البلاد الكثير من الاحداث، فواجع اكثر من المسرات, والتاريخ القريب يؤشر بشكل واضح لهذا, لكن احداً لم يستطع ان يمسك بسرّة اي ألم أو مسرة ويقدمه لنا كفيلم نفخر به ونبتهج.
ان المتابع لحركة البلاد الثقافية والسينمائية تحديدا يعرف عن قرب هذا النكوص واللامبالاة التي ترافق ماحدث ويحدث, الالم يكبر وكذلك الاحداث وذاكرة الكثير تكاد تكون معطوبة وغير مبالية, السينما بحاجة الى ذاكرة متوقدة ورأس مجنون بعيدا عن الترهل والميوعة, احسب!
لو اننا حاولنا ان نتذكر العام 2002 ، في حفل توزيع الاوسكار ظهر ثلاثة اشخاص هم “روبرت دي نيرو” “ومارتن سكورسيزي” وفي الوسط المخرج “ايليا كازان”, كان كازان يتوكأ على الاثنين اذ ظهر متعبا بفعل عامل الزمن, المثير في هذا الظهور ان اكثر من ثلاثة ارباع الحاضرين للحفل لم يقفوا احتراما لكازان تقديرا لمنجزه, ولو اننا نتذكر كتاب “المكارثية والمثقفون” لعرفنا السبب الذي جعل الكثير من في القاعة يتعاملون مع ايليا كازان بهذه الطريقة, شعر كازان بالحرج وقال ان علينا الانسحاب وغادر القاعة بنفس الطريقة التي دخل فيها مع دي نيرو وسكورسيزي ,بعد فترة قصيرة مات كازان وكتبت حينها موضوعا عنه يحمل عنوان (رحيل الواشي).
كان كازان احد الوشاة في قضية فناني وكتاب هوليوود باتهامهم بالانتماء الى الحزب الشيوعي والذي ظهر في كتاب المكارثية والمثقفون, في الجانب الاخر وقف البعض بشجاعة ضد هذه الهجمة وهذا الاتهام وتم عزلهم وعدم التعامل معهم باى شكل من الاشكال.
بعد سنوات ظهرت افلام تسلط الضوء على تلك الحقبة وتلك المحاكم منها, “نهار طيب وليلة سعيدة” الذي اخرجه جورج كلوني في العام 2005 بالابيض والاسود ليكون قريبا من تلك المرحلة, ثم جاء فيلم “مذنب بالشبهات” وفيلم “الجبهة”, من هذه الافلام ايضا فيلم “ترمبو” الذي يحكي سيرة كاتب السيناريو دالتون ترمبو، كتب السيناريو له جون مكنمارا عن كتاب لبروس الكسندر كوك, اذا ما اردنا التوضيح بشكل دقيق فان الفيلم يكاد يقترب من الوثيقة فهو يحكي عن حقبة من تاريخ هوليوود من العام 1947.
يندرج ترمبو مع تسعة من الكتاب تم عزلهم ومنعهم من الكتابة للسينما بحجة انتمائهم للحزب الشيوعي, العام 1930 الولايات المتحدة يجتاحها الكساد الاقتصادي ويسود العنف, التحق الكثير بالحزب الشيوعي الامريكي, كتاب ومثقفون, فنانون بعد التحالف الذي تم بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية, دالتون ترمبو احد كتاب السيناريو الذي التحق بالحزب عام 1943, الفيلم يبدأ بلقطة مقربة لترمبو وهو غاطس في البانيو مسترخيا يكتب على الالة الكتابة التي وضعها امامه, عدة مشاهد تترافق مع الكتابة توضح لنا مراحل من حياة الكاتب التي سترى البعض منها عبر الفيلم الذي استغرق وقته الساعتين تقريبا,يبدأ الفيلم بتصوير احدى القطات, المخرج فوق الكرسي يدير العمل وترمبو يحمل السيناريو, يصيح المخرج “قطع” ليبدأ حوار مبطن بين ترمبو والممثل:
الممثل: مالذي على ان اقوله بالضبط ؟
ترمبو: لو اننا فقط استطعنا ان نحارب هؤلاء الرجال فسوف نحقق حياة طويلة وسعيدة يحلم بها الجميع.
الممثل: ماالذي تريدني ان احارب من اجله ؟
ترمبو:العيش بسلام مع الناس.
الممثل:انت لاتستطيع ان تفعل هذا لانك تعيش في امريكا.
ترمبو: (بتهكم): طيب ماذا عن المال والجنس
الممثل: نعم هذا نحبه جميعا.
عشرة من الذين عملوا في هوليوود, من مخرجين وكتاب دارت حولهم الشبهات وقدموا للمحاكمة امام لجنة النشاطات الخارجية وغير الامريكية في الكونكرس الامريكي في العام 1947 بتهمة الترويج للافكار الشيوعية, فترة التحقيق كانت هي الاصعب لان مانشر من وثائق في الصحف واذيع في الراديو حول النفوذ اليساري وتحديدا الشيوعي في السينما الامريكية, اثبت هؤلاء العشرة بسالتهم حيث رفضوا الاجابة على كل الاتهامات التي وجهت اليهم, من بين العشرة كان دالتون ترمبو فقد حكم عليه بالسجن لعام كامل وعدم السماح له بالكتابة للسينما او نشر اى مادة في كل وسائل الاعلام, ظل متوقفا لعشر سنوات ما دفعه ان يروج لنفسه تحت اسماء مستعارة, ان اغرب قضية حدثت له بعد ان قرر الكتابة بالاسم المستعار هو فوز فلمين من افلامه بجوائز الاوسكاركافضل سيناريو, الفيلم الاول (عطلة غرامية 1953) الذي اخرجه وليم وايلر وقام بالبطولة كريكوري بيك واودري هيبورن, هذا الفيلم يعد واحدا من افضل افلام هوليوود الكلاسيكية, الفيلم الثاني هو (الشجاع 1956)اخرجه ارفنك رابير وقام بالبطولة مايكل راي وردولفو هويوس, اثنان كان ترمبو قد تفاهم معهما وفعلا تسلم الجائزتين لكن بعد سنوات رفع الحظر عن ترمبو ووضع اسمه الصريح على الفيلمين وتسلم الجائزتين, الاولى في العام 1975 والثانية بعد ان رحل حيث ان زوجته هي التي تسلمت الجائزة في العام 1994وصححت جميع الافلام التي وضع لها السيناريوهات.
مثل في افلام ترمبو الكثير من النجوم المعروفين مثل سبنسر تراسي,آن باكستر,سكوت برادي, ولكس باركر الذي اشتهر بافلام طرزان, يعد فيلم ترمبو واحدا من اهم الافلام التي سلطت الضوء على الحقبة المكارثية والتحقيقات التي جرت فيها, استقبل الفلم بترحاب كبير اينما عرض وحصل على الكثير من الجوائز كما رشح بطل الفيلم بريان باكستر لجائزة الاوسكار كافضل ممثل دور اول (كان اداء رائعا) لكن الجائزة ذهبت الى ليوناردو دي كابريو عن فيلم العودة, هذه هوليوود وهذه خفاياها, يذكر ان الرئيس جون كنيدي كان قد اشار الى احتجاجه على القائمة المكارثية اثناء حضوره عرض فيلم سبارتكوس الذي كتب له السيناريو دالتون ترمبو تحت اسم مستعار.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.