حبّ هاينكة الرحيم

73

مقداد عبد الرضا /

لاتتأمل من النظّارة، وأعني أهل بلادك، وحتى العالم وهم يجلسون في الصالة يتطلعون الى إنجازك, لأتتامل منهم أن يصفقوا لك او يرفعون لك القبعة إن أنت أتيت بلعبة لاتشبه لعبة بلادك, ظلالهم, أنفاسهم, علاقاتهم، وحتى إيماءاتهم البسيطة, إنك إن أنت ذهبت بغير هذا فتأكد بأنهم سيديرون لك ظهورهم وستخطو خطوات بائسة لامفر من أنهم سيعيدون لك فوراً ما أنجزته لتحتفظ به فوق رفّ كهولتك, البلاد لايحررها سوى البلاد ولن تشرق أنت إلا من خلال البلاد، تذكر ذلك وتحزّم به.

ماذا سيبقى منا ونحن نقترب من وعاء عزلتنا؟ ونحن على وشك ان نرفع يدنا بتلويحة أخيرة؟ هل ننتظر رحمة الآخر حتى ينتزع الورقة الاخيرة, أم أن الرحيل وقوفاً هو الأجدر بالحياة, الأجدر بهيبتنا؟ ما الذي تعنيه مفردة حب أمام التهجي الأخير؟ كل هذه الأسئلة يطرحها المخرج مايكل هاينكة في فلمه حب (آمور)، الذي خطف جائزة كان الكبرى بجدارة وجائزة الأوسكار كافضل فلم اجنبي,, رجال الإطفاء يحطمون الباب الرئيس لإحدى الشقق وسط العاصمة باريس, ليجدوا باب احدى غرف النوم موصد بإحكام، داخل الغرفة ترقد امرأة عجوز يكلل جسدها ورد كثير حتى غطاها, انها لحظات مفزعة ستظل عالقة في أذهاننا ونحن نتابع سير الفلم الذي رسمه لنا المخرج هاينكة بحرفية عالية,, جورج الزوج (الممثل جان لوي ترتنيانت)، آن الزوجة (ايمانويل ريفا), سبق وأن عملت مع المخرج آلان رينييه في فيلم (هيروشيما حبي)، كلاهما في الثمانين من العمر, غادرا العمل وحصلا على التقاعد, هذه الليلة يحضران أمسية موسيقية تحييها تلميذة سابقة لآن, تنتهي الأمسية بحميمية عالية ونجاح, يعود الزوجان الى البيت ليجدا باب الشقة قد تضرر, ربما بفعل لص,, لكن ماسنراه لاحقاً ويؤكده المخرج قد يكون مختلفاً, هل هو القدر الذي يرفع إشارة بدء شوط الخلاص؟ ربما أكثر أجزاء الفلم فزعاً هي تلك الذبذبات الصغيرة التي تبث إلينا, آن تحدق في السماء ليلاً, يرتبك جورج, لكنها تطمئنه من أن كل شيء يسير على مايرام, طاب الصباح وعند مائدة الإفطار تحاول آن أن تملأ المملحة الفارغة فتتجمد حركتها, يحدثها جورج لكنها تحولت الى تمثال شمع, كقناع ميت, لاحراك إطلاقاً, للحظات أصبح عقلها لوحة بيضاء, هنا يذكرنا المخرج بلعب هتشكوك في التمهيد لما ستؤول إليه الأمور, يهرع جورج الى غرفته كي يستبدل ملابسه ويخرج طلباً للمساعدة, لكنه يتذكر أنه ترك صنبور الماء مفتوحاً في المطبخ, يعود مسرعاً ليغلقه لكنه يجده مغلقاً وآن في حالة طبيعية, الريبة تسيطر على جورج, لكنها تطمئنه مرة اخرى بأحاديث يومية,, يقول الأطباء أنها تعاني من انسداد في الشريان السباتي, عند العملية يحدث خطأ ما أصاب نصفها الأيمن بتوقف تام مع تهديد مؤكد بحدوث جلطة دماغية أكثر شدة ربما تحرمها من الحركة تماماً, وهذا ما آلت اليه الامور,, إنها الآن دون حراك، ممددة فوق السرير,, جورج يعدها بأنه لن يأخذها لتقيم في المستشفى, أصر على رعايتها, أحضر لها ممرضات في البيت لثلاث مرات في الأسبوع، آن تتحطم, تخفي وجعها, تحاول ان تقرأ لوحدها, لاترغب حتى في أن يراقبها جورج كي لايتطلع الى موت أعضائها وسقوط الكتاب من يدها, يوقعها هذا الأمر في توتر وحرج كبيرين, تتصاعد التوترات, هو يخفي تعبه, الابنة تحاول أن تقنع الأب بوجوب الرقاد في المستشفى, جورج يصر على رعايتها في البيت, يطرد الممرضات لعلمه بأنهن يتقاعسن في اداء الواجب,, محبّان وجهاً لوجه, جورج هو المسؤول المباشر,, في لحظة بين شعور آن بالقرف من حياتها والتمني بالخلاص وشعور جورج بالحنو عليها.
في واحد من أهم مشاهد الفلم, يحاول أن يضع بضعة ملاعق طعام في فمها لكنها في النهاية تبصق الأكل فيصفعها بشدة, هل هو الطفل المشاكس ووالده الغاضب والحريص في آن؟ أبداً, أصبحت الرغبة في الخلاص هاجساً لكليهما,, أن يتخلص من محتوم قدره, يحاول جورج أن يسرد لها جانباً من أيام الشباب قبل أكثر من نصف قرن, يروي لها كيف كان يكتب لها قصص الحب,, تتورد آن, يقص عليها حينما كان غراً وتم إرساله الى مخيم صيفي حيث طلبت منه والدته أن يرسل لها بطاقة بريدية يومياً، يرسم بها الزهور إذا كان سعيداً, او النجوم إن كان تعيساً, لم يناسبني المخيم, بعثت الى أمي بطاقة بريدية مليئة بالنجوم, يروي لها كيف أنه حضر ذات يوم جنازة أحد أصدقائهم حيث عزفوا اثناء التشييع اغنية البيتلز yesterday ، تزداد الحياة سوءاً كل يوم, حتى تصل الى ذروتها, في لحظة خاطفة وسريعة ومن أجل أن يظل الحب رحيماً يضع جورج الوسادة فوق وجه آن وينهي الأمر, من قتل من؟ هل أن جورج قام بقتل آن رحمة بها, أم أن آن قتلت جورج ليتخلص من التطلع الى ضعفها وعجزها؟ سؤال تصعب الإجابة عليه, تحلق آن، لكن ليس بعيداً, تتحول الى حمامة تحوم داخل المبنى, طائر وديع يغري بالانجذاب, لم يسبق للممثل جان لوي تريتناينت ان التقى ايمانويل ريفا, لكنهما استطاعا، بأداء فذ، أن يؤكدا أنهما زوجان تقاسما حياة طويلة.

المخرج هايكنة غالباً، وفي معظم افلامه، يمارس العقاب الشديد على أبطاله, في (عازفة البيانو), (الوشاح الأبيض) (سنأتي على ذكره قريباً) وأفلام اخرى, لكنه هنا يعطي للحياة معنى آخر, معنى الحب الرحيم حيث الوسادة والتخلص من عذاب قد يدوم طويلاً .

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.