خيانة الصديق

125

رجاء خضير /

اسمع أيها القلب، إن الحياة ماضية وهي كفيلة بأن تلمّ جروح الأيام التي خلفتها عثرات الآخرين، يهونُ عليك بعضها, ولكن الجرح لا يندملُ ببساطة إن كان مسببه هو من تثقُ به وتطلعه على خفايا الروح وأسرارها. فعلامَ البحث وراء سراب لا يروي طالبه، وعلامَ آمال تبنى وتزدهر من شجرة حنظل لنقف ونتفق لأول مرة معاً..
زمننا هذا غير ما كان عليه آباؤنا، ماذا تريد من زمن بائس….؟
قال: استغربُ من بعض الأصدقاء الذين يطعنون المقربين في غفلة منهم.
عشنا في منطقة شعبية, تحكمها عادات وتقاليد جميلة جداً يفتقرها منْ يعيش في المناطق الراقية، ورغم إمكانيتي المادية إلا أنني لم أتركها، فالعلاقات الاجتماعية فيها جميلة جداً, وحينما تزوجتُ منْ أحب وافقتني هي الأخرى على رأيي هذا فبقينا فيها, نذهب الى عملنا مطمئنين على البيت وما فيه لأن هناك عيون أهل المحلة وأصدقائي الذين هم بمثابة أهلي, وكم من مرة اتصلوا بي في الدائرة لأمورٍ تتعلق بمتطلبات البيت الاعتيادية. في إحدى المرات اتصل بي صديقي المقرب يبلغني بأن رائحة شياط تنبعث من بيتنا, فأخبرتهُ أين نضع المفاتيح, ورجوتهُ أن يسرع ويتبين الأمر, وما هي إلا دقائق ليتصل بي ويخبرني بأن (القدر) الذي على النار قد احترق, قلتُ له: لقد نسيتهُ زوجتي وتشكرت له كثيراً، فقد أنقذ البيت من حريق مؤكد. كنا نتزاور مع بيوت المحلة، ولا سيما في المناسبات، وكانت علاقتنا عميقة مع هذا الصديق وزوجته التي لا تكف عن طلب الكثير منا.
في الآونة الأخيرة بدأت زوجتي تتضجر منها ومن طلباتها, نبهتها الى ذلك وأن تحترمهم وتلبي طلباتهم بدون نقاش, صارحتني يوماً بأنها لا ترتاح لهما, وبأنهما يطمعان بصداقتنا لنيل ما يرغبان منا, صرختُ عليها وطلبتُ منها أن تكف عن الشك بالناس، حاولَت توضيح الأمر، إلا أنني لم أدعها تكمل وخرجت من البيت غاضباً, وفكرتُ بأنها أنانية لا تريدني أن أختلط بهما وبأهل منطقتي. ومن سوء الصدف أن التقيتهُ (صديقي المقرب) في الطريق ولاحظ غضبي وحزني فسألني عما بي، لم أجبه بما دار بيني وبين زوجتي، قلتُ إنها أمورٌ ومشاحنات عائلية.
كنا نخرجُ معاً في السفرات, وزيارة المراقد الدينية، والدعوات نلبيها مع هذه العائلة بالذات يدخلون ويخرجون كيفما يحلو لهم.
في أحد الأيام سألتني زوجتي عن أسورتها الذهبية، هل رأيتها، أجبتها بالنفي وبحثنا عنها في كل البيت ولم نجدها فقلت لها: أنا لا أشكُ بشخص معين ولكن قد يكون أحد عمال البناء الذين يرممون سطح الدار، لم تجب بحرف بعد أن اتهمتها بالإهمال فيما يخص حليّها الذهبية.
صادفتنا عطلة طويلة فقررتُ أن أصطحب زوجتي وابنتي وأن نسافر الى الشمال, أخبرت بذلك صديقي(!) الذي فرح لنا كثيراً وأكد بأن له نفس الفكرة هو وزوجته فاقترحتُ عليه أن يأتي معنا لنسافر معاً, قال لي: سوف نلحق بكم بعد أيام لحين إكمال التحضيرات.
سافرنا وقضينا أياماً جميلة في ربوع شمالنا الحبيب ولكن صديقي لم يأتِ! اتصلت به مرات عدة وفي كل مرة يقول: قريباً سألتحق بكم ولكنه لم يأت, وفكرت أن عدم مجيئه قد تكون بسبب إمكانيته المادية, اتصلت به وقلتُ له ما فكرت فيه وأضفت أن تكاليف هذه السفرة سأدفعها أنا: لا تفكر بأي شيء.
أغلق الهاتف بعد أن شكرني كثيراً على موقفي هذا، سمعت زوجتي المكالمة وناقشتني, لماذا كل هذه المساعدات لهُ؟ وطال الجدالُ بيننا, ثم صرخت ابنتي وبكت ودخلت غرفتها وأغلقت الباب, ومن وراء الباب طلبت منا العودة الى البيت، وهكذا عدُنا الى البيت لنُفاجأ بحالتهِ, كان بانتظارنا صديقي وزوجته, شرحا لنا ما حدث, عرفنا منهما بأن لصوصاً استغلوا غيابنا وسرقوا ما ندخره من مالٍ وحلي ذهبية بل وحتى ملابس ابنتي الصغيرة التي بعثتها لها خالتها من الخارج, أنهى صديقي الموضوع بالقول: الحمد لله على سلامتكم وهذا هو المهم!
قالت له زوجتي: ألم يوضح تقرير الشرطة من أين دخل اللصوص؟
قال: إنهم دخلوا من باب السطح, اذ لا آثار لكسر الباب الرئيس.
أجابتهُ: سطح دارنا ملاصق تماماً لسطح الجيران ولايمكن تجاوزه ليدخل بيتنا، أسكتّها بحجة التعب خوفاً من أن توجه الاتهام اليه.
وحينما خرجا اندلعت معركة بيننا تدخل على إثرها أهلها وطلبوا منها الكف عن شكوكها غير المجدية ومن غير دليل.
وبدأتُ ألاحظ التحسن المادي لصديقي ومنه شراء سيارة و…و…وبحكم علاقتي معه سألته عن سر هذا, أجابني: لقد عملت مع إحدى الشخصيات الكبيرة وهذا هو السبب.
فرحتُ له كثيراً وحدثت زوجتي بالأمر ولكنها لم تعلق على الموضوع.
دُعيت مع جميع من في المحلة الى فرح أحد شبابها, ذهبنا الى القاعة, كانت زوجة صديقي إياه وبناتها هناك، جلست زوجتي معهم, كنت ألاحظ عدم ارتياح صديقي وأيضاً تطلعات زوجتي الغريبة بهم! وما هي الا دقائق حتى خرجوا بحجة عمل لهم في مكان آخر.
سألت زوجتي: مابهم؟ قالت وبكل ثقة: إنهم لا يستطيعون البقاء لأن بناتهم يرتدون ملابس ابنتك! وزوجته ترتدي ملابسي وبعض حليّي الذهبية، لقد ظنوا أننا لن نأتي, لأنني قلت لها قبل أيام أننا لا نستطيع حضور الحفلة بسبب زيارتي لأمي المريضة, لذا لبسوا وتزينوا بمالنا، وهكذا أوقعتهم في الفخ الذي رسمته لهم!! وحينما فوجئوا بنا لم يستطيعوا البقاء. في طريق العودة حاولتُ إيجاد الأعذار لهم, ولكنها كانت مصممة على تقديم بلاغ للشرطة باتهامهم بالسرقة، وهكذا انفتح موضوع سرقة البيت من جديد, وحققت الشرطة مع الجميع حتى مع بناتهم وحينما سألتهم الشرطة وبتوجيه من زوجتي من أين لكم هذه الملابس الفاخرة؟, قلن بعفوية الطفولة: إنها من جيراننا، واعترفت زوجة صديقي بكل شيء، وأمام صدمتنا لم يجد صديقي العزيز الذي جعلته بمثابة شقيقي إلا أن يعترف بكل شيء سرقوه.
لقد تمكن من طبع مفاتيح دارنا وجميع الغرف وإخفائها عنده أثناء زياراته المستمرة لنا, ومن ثقتي به كنت أحدثه عما نملك وما ندخره من مالٍ بعد أن حصلت على حصتي من ميراث أهلي.
استغل ثقتي ومحبتي له ولعائلته ومساعداتي التي لا تعلم بها زوجتي التي عرفتهم جيداً والتي لم اقتنع بتحذيراتها لي منهم!
أعترف بأنني كنت ساهياً عن أفعالهم الدنيئة!
تركت القضية للقضاء العادل بعدما طعنتُ من أقرب صديق لي, ولتكون عبرة لي ولغيري الذين يثقون بمن لاثقة بهم.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.