خيوطُ شمعٍ وشمس

133

رجاء خضير /

دعِ الأحلام تنسج خيوطها حولي, قد يكون فيها خيط يحمل لي الحظ والراحة من زمنٍ أتعبني ولا أعرف الخُلاص منه.. اقتربتُ من آمال عدة، لأكتشف أنها خيوط شمع تذوب عند أول شعاع شمس, فما بالي أثقُ وأعلّق الآمال على مرساةٍ غارقة في البحر.. وبعد تمتدُ يداي إلى نجم قد يأتيني بالفرح… الفرح المنتظر….

في الخامسة والثلاثين من عمرهِ بحياء وتردد واضحين على ملامحهِ قال: حينما قررت التخلص من حياة العزوبية والزواج لإسعاد أمي أولاً ومن ثم لأبني عائلة وأعتقدُ أن هذا حلم كل شاب وشابة….
سعدِت أمي بالأمر وبدأت تعرض عليّ أسماء وتذكّرني بصاحباتها وبناتهن، ولا أعرف كيف وافقتُ على واحدة منهن، بالرغم من أنني لم أرها يوماً، فقط رأيتها في صورة لها, هي قريبة لنا, لاحظت فرحة أمي بموافقتي عليها، لكنها صارحتني في البداية بأنها فتاة مدللة لأنها الوحيدة لأهلها ولم تكمل دراستها المتوسطة لأنها لم ترغب بالعِلم والدراسة، وباءت محاولات أهلها بإقناعها بإكمال دراستها بالفشل…
فكرتُ بالأمر جيداً وطلبتُ من أمي أن تؤجل الموضوع قليلاً كي أكّون قناعتي بالأمر وأبدأ بخطوة صحيحه كي لا أندم بعدها.
بعد فترة قصيرة أبلغت أمي بالموافقة على هذه الزيجة وأخبرتها بأن تعليمها وتدريسها سيقعان على عاتقي رغم أعباء مسؤوليتي في الدائرة التي أعمل فيها.
وهكذا تمت إجراءات الخطبة والزواج بسرعة، اكتشفت أنها فعلاً شابة جميلة جداً ولكنها بعقل طفلة مدللة, أحببتها لبراءتها وحبها للحياة, لكن هذا البريق سرعان ماخفت من حياتنا عند ممانعتها لرغبة التعلم, فعرضتُ عليها أن أجلب لها إحدى المعلمات الخصوصيات إلى البيت, جوابها كان الرفض أيضاً, تدخّل أهلها وأهلي لإقناعها دون جدوى.
شعرتُ بالخطأ والندم على اتخاذ قراري بالزواج منها، تحدثت أمي معي كثيراً لتخفف معاناتي هذه وطلبت مني أن أعطيها فرصة لأنها تربت على مبادئ خاطئة ظّنها أهلها حرصاً وفي الحقيقة هي تهديم للأبناء.
سمعتُ كلام أمي وتركت موضوع تعليمها, بل وأخرجتها معي في كثير من الدعوات، سواء في العمل أو مع الأصدقاء، وفي كل مرة كانت تضعني في مواقف لا أحسد عليها, فهي تجهل طريقة التعامل الصحيحة مع الآخرين، ولا سيما الغرباء منهم، لذا قررتُ عدم اصطحابها معي بحجة أنها دعوات للرجال فقط. وفي يوم عدتُ مساءً لأجدها قد حزمت حقائبها لتطلب مني أن أوصلها إلى بيت أهلها لأنها اكتشفت أن أغلب الدعوات هي مختلطه وليست كما أفهمتها, وهنا نفد صبري وشرحتُ لها معاناتي معها وأن عدم مساعدتها لنفسها هو السبب الذي سيوصلنا الى مفترق الطرق، وبدلاً من اعترافها بالخطأ بدأت تصرخ ليستيقظ جميع من في البيت على صوتها, ما اضطرني إلى أن أوصلها إلى بيت أهلها الذين استغربوا مجيئها في هذا الوقت المتأخر, قلتُ لهم اسألوها هي، وعدتُ الى بيتنا.
لم تتوقف اتصالات والديها بي لكي أعيدها، لكني اشترطت عليهم عودتها للدراسة. في هذه الفترة سافرتُ مع وفد من دائرتنا الى خارج البلد, وكنت بأشد الحاجة الى هذه السفرة. وخلال دورتنا هناك جاءتني فتاة متوسطة الجمال تتحدث الإنكليزية بطلاقة وقدمت نفسها لي بأنها ضمن طلاب الدورة وأيضاً بأنها قريبة لي.. بنت فلان(!)، ابن عم والدي المغترب منذ سنين طوال، ساعدتني كثيراً في إعداد التقارير, كانت هي الأولى في الدورة التي انتهت ليعود كل الى بلدهِ، حدثت أهلي عنها وعن أهلها الذين دعوني إلى بيتهم و… ومنذ ذلك الوقت لم يفارقني طيفها وبدأت أقارن بينها وبين زوجتي الأمِّية, التي لم ينفك أهلها عن الاتصال بي, وهي أيضاً اعتذرت مني مرات عدة, ولكنها مصرّة على أمِّيتها, لم تقتنع بالتعلم, اقترحت علّي أن نعيش هكذا كلُ له عالمه الخاص به. وأمام توسلات أهلي عادت إلى البيت، وعاش كلُ منا في عالمه. وفي إحدى الأمسيات رنَّ هاتفي لأسمع صوتاً ملائكياً يقول: (مفاجأة).. لقد اتعبتني كثيراً, أنا هنا في بغداد أريد لقاءك.
إنها هي، قريبتي التي أفكر فيها كثيراً, ذهبت مسرعاً للقائها، جلسنا ساعات طوال وكأننا نعرف بعضنا مُنذ خلق البشرية، عرفت أنها في زيارة للوطن هي ووالدها, فما كان مني إلا أن قدمت الدعوة لها ولوالدها لزيارتنا في بيتنا, جاءا على الموعد وسط ترحيب أهلي بهما والأحاديث الجميلة والذكريات بين والدها ووالدي, كانت زوجتي صامتة طوال الحديث, وعند خروجهما سأل والدها منْ تكون هذه وأشار إلى زوجتي، أجابه والدي بأنها زوجة(!) ….
رأيتُ اصفرار وجه ابنته وخرجا من البيت.
في الليل انفتح تحقيق واسع من قبل زوجتي, من تكون هذه؟ أنت تحبها! هي حبيبتك منذ زمنٍ و…و…. خرجتُ من الغرفة لأنفرد بمشاعري الملتهبة تجاه هذه الزائرة، نعم… لقد أحببتها كطوفان يغطيني ويشعرني بسعادة طالما افتقدتها، كم تمنيتُ أن أعيش معها وأنسى كل ما أنا فيه.
بعد يومين وصلني ظرف فتحتهُ لأقرأ ما جاء فيه ((فكرتُ بالعودة إلى أحضان الوطن ففقدتك))
التوقيع ———-
بحثت عنها في العناوين التي أخبرتني بها, لم أصل اليها, حاولت الاتصال بها, لم ترد, طلبتُ من والدي أن يتصل بوالدها الذي أخبره بأنهما بانتظار الطائرة للعودة الى بلد الغربة ثانية.
آه يا أمي، لماذا لم تعرضيها عليّ كالبقية. حدثت أمي بمشاعري تجاهها وبأنها هي التي أبحث عنها و… وفجأة دخلت زوجتي علينا لتقول لي: طلّقني… لأنني جاهلة، وخرجت إلى بيت أهلها. وفعلاً بدأتُ بإجراءات الطلاق لأتخلص من معاناة كنت أنا السببُ فيها، فقد أعلمتني أمي بكل شيء يخصّها وأولها جهلها, فلماذا وافقت، أنا أكثر أمية منها حينما أعجبني جمالها ودلالها وتهاونت في شيء اسمه التكافؤ، ولاسيما في العلم والمستوى الثقافي، وحينما تسليتُ بهذه الدُمية الجميله مللتها ورميتها لأن عيوبها قد ظهرت لي…
وأثناء سير الإجراءات تعرّض والدها لنوبة قلبية شديدة أرقدته المستشفى, وعند زيارتنا أنا ووالدي له كان يبكي لأنه لايستطيع التفوّه بحرفٍ!!
أنا الآن في حيرة باتخاذ القرار.. فهل أطلقها وأنهي معاناتي، أم أستمع لصرخة الإنسانية والضمير… أنا بالانتظار….

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.