رمضان النصر.. الموصل تتعالى على جراحها وتستعيد بهجة الشهر الفضيل

180

إياد الخالدي/

يعانق رمضان الموصل بعد تحريرها حاملاً معه الأمنيات لمدينة طالما استقبلته بحفاوة عرفت بها، قبل ان يجتاحها داعش ويحولها الى رهينة تحت حراب الهمجية.

فعلى مدى سنيّ الاحتلال المظلمة استلب التنظيم الارهابي بهجة رمضان وجعله مناسبة لبث الكراهية ونشر أفكاره وخرافاته الزائفة، فكان أن صارت الموصل سجناً كبيراً أدمى جسدها بجروح غائرة غيبتها مرغمة عن دورها كمدينة حضارية معطاء.

وبينما يتزاحم المتبضعون على اقتناء المواد الأساسية التي يحتاجونها في شهر رمضان في اسواق الجانب الأيسر من الموصل، يبدو الجانب الأيمن مثل مدينة أشباح هجرها سكانها وتحطمت دورها بفعل التفخيخات.

على الجانب الأيسر تشعر أن الحياة عادت بسرعة مثل حلم مدهش وسط تلال من الخراب، وثمة ضوء ينبعث فيشع على جانب المدينة الأيمن ليمده ببريق أمل يعينه على النهوض من بين الركام.

صارت الموصل بين جزءين وتأريخين يحملان معهما كل التناقضات، وبرغم الدمار الهائل في الجانب الايمن الذي يتهيأ لك كأنما وحش بأنياب مفترسة قلب أحياءه سافلها عاليها، فإن صلاح العطار يرسم ابتسامة عريضة، وهو يفتتح محله في وسط سوق السراي غير مبالٍ بالحطام ومشاهد الخراب حوله، رافضاً فكرة استبداله بمكان آخر.

عودة الحياة

شهد هذا السوق أشرس المعارك في التاريخ بين قوات مكافحة الإرهاب وعناصر داعش، ولطالما تدخلت الطائرات لتلقي بقنابل حولته الى حطام، لكن صلاح يؤمن بأن الحياة ستعود ولابد للسوق الذي يشكل جزءا من ذاكرة الموصل وتأريخها ويحظى بحب أهلها ان يعود مزدهراً من بين الحطام.

لكن المشهد في سوق النبي يونس، أحد أكبر الأسواق في الجانب الأيسر من الموصل، كان مختلفاً تماماً حيث نجح أصحابه بإزالة مخلفات الحرب التي لم تترك مكاناً في المدينة دون ان تطاله وتلقي عليه آثارها، وتبدو أجواء الاحتفالات واضحة ومميزة في استقبال شهر رمضان.

تنشط حركة التبادل التجاري ويستغل الباعة الجوالون وأصحاب البسطات الأسواق الكبيرة لبيع بضاعتهم لاسيما الحلويات بأنواعها مثل البقلاوة والزلابيا، وتسمع نداءات الباعة على سلعهم مثل (فطورك يا صايم)، وثمة حرص على التسوق بالمواد الأساسية على المائدة الموصلية كالطرشي والزيتون وشربت الزبيب واللبن.

ومثل عشرات المحال يعلق محمود الجبوري بضاعته من الملابس النسائية العصرية في واجهة محله وتتزاحم عشرات النساء لاقتناء الجديد منها، كان هذا المشهد في حكم القرون الوسطى الذي فرضه داعش على سكان المدينة كفيلاً بتعليق رقبة الجبوري على حبل المشنقة.

نكهة رمضان هذا العام

يؤكد محمود ان لرمضان نكهة مختلفة هذا العام، فلا نصدق اننا يمكن ان نخرج من تلك المحن التي عشناها، والآن الحمد لله السوق عاد مزدهراً وازدادت الحركة في شهر رمضان حيث يزداد الإقبال. مؤكداً ان السكان متعاونون مع الأجهزة الأمنية ولا احد يريد لداعش ان يعود.

ومثل عشرات النساء اللائي يشكلن أغلب زبائن سوق النبي يونس، تقلب أم ايمن البضائع الكثيرة التي يعج بها السوق برفقة اثنتين من بناتها، هذا المشهد كان غائبا، فالنساء لايسمح لهن في حكم داعش ان يتجولن في الأسواق وان الرجال يتكفلون في الغالب بشراء الاحتياجات.

تستذكر أم ايمن تلك الأيام التي تصفها بالسوداء “كنا مرعوبين نخشى دخول الأسواق وصعود السيارات وحتى السائقون انفسهم يتجنبون نقل النساء خوفاً من ان تطالهم عقوبات المحكمة الشرعية لداعش، أما ان تذهب الى مراكز التجميل فتلك “جريمة” لاتغتفر في نظر التنظيم الإرهابي.

لكن هذه هي المرة الاولى منذ اربع سنوات التي تتجول فيه النساء بكامل حريتهن ودون ان يفرض عليهن النقاب او مايسمى “باللباس الشرعي” حيث كن يخشين النزول الى الشوارع والأسواق، لأن التنظيم أصدر فتاوى حظر خروج النساء من منازلهن خلال شهر رمضان بشكل قاطع، حتى اذا التزمن بلباس داعش ووضعن النقاب .

وتعرب المرأة الأربعينية عن امنياتها بأن يحظى أهالي الموصل والعراقيون جميعهم بالأمن والسلام وان تكون أيام داعش آخر الأحزان، وتأمل ان يجلب هذا الشهر الفضيل الخير لأهالي الموصل، مؤكدة ان الموصل استعادت نكهة رمضان لكن الخراب، خصوصا في المدينة القديمة يبقى كبيراً.

في ركن من سوق النبي يونس، يعرض محمد أمين في محله المتواضع الكرزات والحلقوم والسجق والتين المجفف وغيرها، ويتبادل مع زبائنه النكات والحكايات، لاتعيقه قدمه المبتورة بفعل لغم زرعه تنظيم داعش انفجر اثناء مرور سيارة عسكرية صادف وجود محمد قريباً من الحادث أثناء اداء عمله، ذلك الحادث الذي ظل راسخاً في ذاكرة محمد والذي أودى بحياة امرأة وطفل وتسبب باصابة قدمه ومن ثم بترها.

وتؤكد الأمم المتحدة ان تنظيم داعش زرع أكثر من 25 ألف لغم، و750 شحنة ناسفة بدائية الصنع في أرجاء الموصل، وانها بحاجة الى مزيد من الدعم لإزالة تلك الألغام التي مازالت تنغص الحياة على سكان المدينة وتتسبب في قتل واصابة العشرات منهم. وكان تنظيم داعش قد حول احد المباني الكبيرة في الموصل الى مصنع لإنتاج الشحنات الناسفة البدائية.

فظائع “الحسبة”

السيارات السوداء ذات المهام السريّة التي عرف أحد أجهزة داعش المعروف “بالحسبة” باستخدامها، كانت تنشر الرعب وتصادر الفرح من الناس باسم الأحكام الشرعية.

والحسبة هي شرطة الأخلاق (شرطة الآداب)، التي تراقب حياة الناس ومدى تطابق ممارستهم الشخصية مع شريعة داعش.

اختفت هذه السيارات لكن الموصليين لن ينسوا فظائع الحسبة، فهنا على طول شارع الزهراء، جرى ربط عشرات الشباب تحت لهيب الشمس الى اعمدة الكهرباء بعد ان تلقت الحسبة بلاغات تنبئ بأنهم مفطرون.

يرفع عبد الرحمن قميصه، فمازالت آثار السياط الخمسين التي تلقاها وفقد على اثرها الوعي باقية على جسده، أبلغ عن عبد الرحمن في حينها انه قام بالتدخين علناً تحدياً لسلطة داعش في عاصمة خلافته الإجرامية.

يقول عبد الرحمن إن الخدمات ليست على مايرام ولكنها تتحسن، لكن المشكلة الأساسية التي تقض مضاجع الشباب هي البطالة، فاغلبهم يعانون البطالة وغياب فرص العمل، لاسيما الخريجين.

وقريبا من حي الرسالة الذي شهد معارك طاحنة مع تنظيم داعش، تروي مجموعة من الشباب كيف ان رجال الحسبة السريين اقتادوا صديقاً لهم الى مكان عام بالقرب من أحد الأسواق لتنفيذ حكم الجلد ليوجه التنظيم من خلاله رسالة رعب الى من تسول له نفسه التمرد على احكام داعش وشريعته.
وعلى امتداد شارع الزهراء انتشرت محال بيع أجهزة الستلايت والصحون “الدش” التي كان تنظيم داعش قد صادرها من البيوت وأصدرت محاكمه عقوبات على كل من يمتلك جهاز ستلايت الذي يعده التنظيم مفسدة كبيرة، لقد ظلت الموصل معزولة عن العالم، لكن كان هناك من يخاطر بحياته من الشباب ويبتكر الأساليب ليتواصل مع العالم من خلال أجهزة مصنّعة او بتهيئة أماكن آمنة لأجهزة الستلايت، لكن كلفة اكتشاف هذه المحاولات كانت غالية.

ثمن الخلاص

في رمضان هذا العام عاود أهالي الموصل التحكم بـ “الريموت” ليتابعوا، دون رقابة تفسد عليهم حياتهم، المسلسلات والبرامج التي يحبونها. فعلى مدى ثلاث سنوات استلب “تنظيم داعش الإرهابي أحلام المدينة وصادر أفراحها.

ويستعرض الشباب مجموعة من القنوات التي يتابعونها وهي تعرض برامج ساخرة ومسلسلات درامية تجتمع حولها عوائلهم من دون ان يشعروا بالخوف.
يؤكد مراسل احدى الشبكات الإعلامية الموصلية، بأن عناصر الحسبة التابعة لتنظيم داعش اعتقلوا أحد الحلاقين في حي السكر في الجانب الأيسر من مدينة الموصل، لأنه كان يشاهد مسلسل (باب الحارة) على تلفازه في دكانه الصغير، فاقتحموا الدكان وقاموا بتكسير جهاز التلفاز وجهاز استقبال البث، ومن ثم اعتقلوه واقتادوه الى جهة مجهولة بعد ضربه بشدة وتوبيخه بأشد عبارات التكفير والشتيمة.

مثل كل النساء الموصليات، تجيد أم فرح تحضير الأطعمة التي صارت جزءا من المائدة العراقية، ولكنها التصقت باسم المدينة “كالكبة الموصلية والدولمة والعروك”، لاتخفي سعادتها بقدوم الشهر الفضيل وبالخلاص من تنظيم “داعش” وتؤكد المرأة التي اقتربت من منتصف العقد الثالث من عمرها “شاهدنا أموراً لم يرها بشر وعشنا محناً كبيرة تحت نير التنظيم الإرهابي لايمكن وصفها، فقد كنا اثناء عملية تحرير الموصل محاصرون وخرجنا بمساعدة ابطال الجيش العراقي.”

ثمن الخلاص من داعش دفعه أناس ظلت قصصهم ثانوية بالنسبة الى حجم الأحداث وهولها بعيدة عن رصد الكاميرات وعيون الفضائيات، ومثل كثير من العوائل تنشغل عائلة ادهم بإصلاح بيتهم الذي تعرض الى دمار كبير وأدى الى خسارة ابنهم الشاب طلال.

بعد سنوات من الحرمان

تصف المعلمة لمى التي ترافق خطيبها في منطقة الغابات رمضان هذا العام بـ “رمضان النصر”، وتضيف بلغة مؤثرة “في لحظات عصيبة يسيطر علينا الإحباط، ونظن ان داعش وبؤسه هو قدرنا، لم نكن نتوقع اننا يمكن ان نسترد حريتنا.”

ويؤكد محافظ الموصل “ان الحكومة وبمساعدة منظمات الأمم المتحدة ومنظمات دولية شرعت بإعادة الخدمات الى المناطق التي سيشملها الإعمار، فإضافة الى المنطقة القديمة فإن مناطق خورسيباد والمتحف الحضري والحضر وآشور القديمة والنبي يونس ستعمر ايضا.”

وبين ان “الجهود البلدية باشرت برفع الأنقاض وتهيئة محيط المسجد النوري في قلب المنطقة القديمة تمهيدا لحملة الإعمار.

وفي كافيه قريب يتبادل مثنى الناركيلة مع الشباب فيما تصدح اغنية شعبية عراقية، كان هذا الشيء من المستحيل ان يحصل تحت حكم داعش الذي يعد

الموسيقى حراماً.

فيما تلهو مروة الى جانب مجموعة من الأطفال في قسم خاص في مول اسطنبول الذي افتتح بعد تحرير الموصل الى جانب عدد من المولات، بعد سنوات من الحرمان. وبرغم صغر سنها، لكن مروة تخبرك عن كثير من قصص الرعب التي مرت بها وكيف ان عناصر داعش كانوا يحاكمون الفتيات اللاتي يرتدين الملابس القصيرة وينهالون ضرباً مبرحاً على سيقانهن.

أبواب لمستقبل مشرق
الصورة التي يعيشها اطفال الموصل ليست حالمة، لكن الأبواب مفتوحة الآن على مستقبل مشرق، ومع أن المياه الآسنة تغلق الشوارع، لكن التلاميذ يؤدون الامتحانات بإصرار منقطع النظير.

مئات المدارس في الموصل تحولت الى ثكنات عسكرية وشهدت معارك عنيفة بين عناصر التنظيم والقوات العراقية، ومع جهود الحكومة المحلية وجهود المنظمات الدولية جرى إصلاح العديد منها لتكون مهيأة للدراسة.

لم تكن مفردات التدريس الذي يحث على العنف والكراهية هي المشكلة الوحيدة التي تركت اثارها على جيل من التلاميذ بحاجة الى رعاية نفسية وتربوية، فضلا عن استغلال التلاميذ في عمليات داعش وتكوين مايسمى بتشكيل “طيور الجنة” استغل التنظيم الأطفال وغرس فيهم العدوانية للتجسس على معلميهم وحتى أهليهم، سالباً من براءتهم الكثير، أما المعنيون في الدولة فعليهم مسؤولية معالجة الندوب غير الظاهرة التي تركها داعش كقنبلة موقوتة قد تنفجر في مناخ الفساد واللامبالاة.

غصّة وذكريات سوداء

لقد سحق داعش الكثير من الأشياء الجميلة وترك في قلب الموصل غصة وذكريات سوداء لن تمحى بسهولة، ولن تعالج بإعطائها ظهورنا، حتى وإن كنا نعيش أجواء مباركة في شهر كريم.

لكن سنوات عجافاً تحت قبضة تنظيم وحشي سلبت الأهالي الشعور بأجواء الشهر الفضيل وحرمتهم من إقامة طقوسهم وتقاليدهم الرمضانية التي تفوح منها رائحة القيم الإيمانية والروحية، لم تمنع الأهالي من العودة الى ذاتهم والإصرار على استعادة إرث أجدادهم وابقاء عبق الإيمان يشع في كل الزوايا، فقد عاد الموصليون يرحبون، كما هي عادتهم، بمقدم رمضان وعادت المساجد إعلاماً تصدح بالتمجيد والتهليل والتكبير وإنشاد بعض المدائح النبوية الشريفة على ضرب الدفوف وأضوية الفوانيس، فيما الوجوه تنوّر بالبشائر وتعمّر القلوب بالإيمان، متعالية على الجراح التي تركها داعش في كل زاوية من المدينة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.