سلوى جرّاح: تفتّح قلبي في العراق وعشقت تفاصيله

137

جواد سليم /

هي من عكّا، ولدت في حيفا حيث مستشفى الولادة الذي نقلت إليه والدتها، وبعد سنتين حدثت النكبة، لتتجاوز مع عائلتها طرق الآلام وتثبت وجودها، فحطّت رحالها في أكثر من مدينة بسبب عمل والدها في مجال النفط، بيروت أولاً ومن ثم البصرة التي قضت فيها سبع سنوات ثم كركوك التي أكملت فيها الثانوية، وحصلت على البكالوريوس في بغداد من جامعة الحكمة (كلية إدارة الأعمال).
عملت فور تخرجها في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ومن ثم نقلت إلى أمانة بغداد، وقررت أن تغادر إلى لندن في العام 1977، واكتشفت بعد اختبار في هيئة الاذاعة البريطانية (BBC) القسم العربي، قدراتها في الصوت والإعداد والترجمة وتعلمت الإخراج أيضاً.
ومن لندن، أصبحت صوتاً يعرفه العراقيون والعرب أينما كانوا. وبعد 42 سنة، تعود الى بغداد، إنها سلوى جراح، التي كلما ذكرت العراق وبغداد، انهمرت دموعها حباً وذكريات واشتياقاً. ولأنها امرأةٌ مختلفةٌ بامتياز، بدأت هي الكلام قائلةً:
غادرت فلسطين يوم كان عمري سنة وأربعة أشهرٍ تقريباً، كان هذا نهاية العام 1948، عندما خرج الفلسطينيون من ديارهم الى المخيمات، لا أعرف شيئاً عن فلسطين لأني لم أعش فيها، لكنها تسكنني وأعشقها، حتى أني أتحدث لهجة أهل عكّا، وأفتخر بأصل أجدادي، كان والدي يعمل في شركة نفط العراق، خُيّر بالبقاء في لبنان أو العراق، فاختار البصرة التي جئتها وأتممت عامي الرابع من عمري فيها، تفتح عقلي في العراق وعشقت تفاصيله، العراق الأم التي ربّتني ونشأت في أحضانها، تزوجت فيه وقُرّت عيني فيه بولادة ولدي أحمد، لم أزر أمي التي ولدتني (فلسطين) إلا عند حصولي على جواز السفر البريطاني العام 1996 قبل أن أتم الخمسين من عمري، ورحت استكشفها وكأني ألمسها للمرة الأولى، لكني اخترت أن أكون عراقيةً.
ثم ابتدأت رحلة حوارنا معها:
* عملت في الـ BBC سنوات طوال.. هل حاولت أن تنقلي معاناة الشعبين الفلسطيني والعراقي من خلال وجودك هناك؟
– كنت معدّة ومقدمة برامج لاثنين وعشرين عاماً فيها، البي بي سي كانت لديها ثلاثة قوانين يمنع الحديث بها (الدين، السياسة، الجنس)، كل هذه الممنوعات كنت أتناولها وزملائي لكن بطريقتنا الخاصة، فالإعلامي المحترف يعرف تماماً كيف يطرح القضايا وينقل الحقيقة، على أن لا يكون له رأي فيها، سياسياً، أذكر مرةً عندما تعرض صبي فلسطيني لاعتداء من قبل الجنود الإسرائيليين الذين حاولوا كسر يديه وتحطيمها بحجارة، استضفنا والده الذي تحدث لنا عن هذه الحادثة المؤلمة، لكنني قدمتها بصفتي إعلامية، كان هدفي نقل الحقيقة، كذلك حادثة قصف كربلاء بالمدافع في الانتفاضة الشعبانية، كانت مؤلمة جداً، هذه المدينة التأريخية والعريقة، لم أتخيل كيف يمكن حدوث ذلك، فقمت باستضافة شخصيات مختصة للحديث عن هذا الموضوع.
* حدثينا عن تجربتك في المسرح؟
– عملت في المسرح هاوية، لكني كنت أمثل جيداً، عملت مع روناك شوقي في لندن، في أواخر الثمانينات، شاركت في مسرحية (راكبو البحر)، وعملت مع أسماء أخرى، شاركت فيما لا يقل عن 7-8 أعمال مسرحية، بعضها عرض في هولندا والسويد، والتمثيل موهبة طبيعية تولد مع الإنسان، فضلا عن أن المسرح كان جزءاً من دراستي للأدب الإنكليزي، وأحب أن أقول إني كنت أغني أيضاً، سجلت أغنيات عدة لإذاعة بغداد، وكان اسمي الفني آنذاك “صبا حسان”، ولديّ هذه الأغنيات والتسجيلات.
* من الإعلام الى الكتابة، ما الطقوس التي أسهمت في ولادة أول رواية لك؟
– تقاعدت في العام 1999، لم أكن قد أتممت الخمسين من عمري، جلست أفكر مدة وأنا أشاهد شاشات التلفاز، لكني لم أقتنع بالكثير من البرامج فيها، لذا لم يعجبني أن أعمل من جديد في محطة أخرى، وبصراحة أنا تركت العمل في الـبي بي سي لمتغيرات عدة حدثت في إدارة الإذاعة، فقررت أن أكتب عن البي بي سي ، فكانت روايتي (الفصل الخامس) والتي ترجمتها مؤخراً إلى الإنكليزية.
* سلوى جرّاح امرأة أثبتت نفسها في مجالات عدة، كيف صورتِ المرأة العربية في رواياتك؟
– كتبت عن المرأة العراقية كثيراً وأغلب نساء رواياتي البطلات هن عراقيات، فهن قويات ويعرفن ما يردن ويحققن ذلك، كتبت كثيراً عن العراق وتأريخه (صورة في ماء ساكن) و(أبواب ضيقة) اللتين تتحدثان عن المتغيرات السياسية وتأثيرها على المرأة العراقية، وفي روايتي (أرقٌ على أرق) والتي كانت بطلاتها من ثلاث عوائل عراقية وفلسطينية، كن يحاربن ويكافحن من أجل العيش ومن أجل الحرية والحب، بطلاتي قويات وخلفهن قصص كثيرة مليئة بالشجاعة كما هن في الحقيقة.
* الى أي مدى أثّرت البيئة العراقية على نتاجاتك؟
– كثيراً، فأنا نشأت في العراق، وقضيت أعوام الطفولة والشباب في مدن كثيرة منه، أعشق تفاصيله، أنا لا أملك بيئة فلسطينية في رواياتي، لأني لم أعش في فلسطين، وعندما كتبتت روايتي (صخور الشاطئ) التي أتكلم فيها عن فلسطين في ثلاثينات القرن الماضي، أدهشني من قالوا أن وصفي كان دقيقاً، مع أني زرت عكّا مرة واحدة، لكني استخدمت خيالي الخصب لكتابة الرواية، أما عندما أريد الكتابة عن العراق، فأنا أعرف كل شارع فيه، من البصرة وبغداد وكركوك ولواء الدليم (الأنبار) حالياً.
* هل تشغل الرواية العربية مكانة في المكتبات الأوروبية، وما الذي يشد القارئ الأجنبي لها؟
– نعم، الرواية العربية متوافرة بشكل جيد على رفوف المكتبات ومعارض الكتب، وإذا أردنا أن نحظى باهتمام أكثر يجب معالجة بعض الأمور في كتابة الرواية، فمثلاً مشكلة بعض الكتّاب أنهم إما يكتبون عن الطبقة المسحوقة أو الغيبيات وغيرها، أما أنا فكتبت عن الطبقة المتوسطة، هذه الطبقة التي ساهمت كثيراً في بناء العراق. القارئ الأجنبي يستهويه أن ينقل له الكاتب عوالم لا يعرفها، فكثير منهم عندما تتحدث لهم عن بغداد وأماكنها وجامعاتها وبيوتها وما يحدث في تلك الأماكن، يشده هذا الحديث، ويُحب أن يعرف أكثر ويقرأ المزيد عن تلك المجتعات. فإذا سخّرنا تلك العوالم التي تستهويه في رواياتنا، سنجد أن الرواية العربية تحظى باهتمام أكبر من قبل القارئ هناك.
* الكاتب يحتاج الى خيالٍ خصب لكتابة الرواية، هناك من يقول أنك تكتبين بشكل واقعي، وبطلات رواياتك يُشبهنك؟
– أنا لدي خيال خصب جداً، ومن الظلم أن يتهمني البعض بعدم امتلاكه، كيف ذلك، هل يعقل أن يكتب أحدهم رواية دون أن يملك خيالاً واسعاً وساحراً، ونساء رواياتي لا يُشبهنني، (نوّار)، بطلة روايتي الفصل الخامس، لا تشبهني تماماً فظروفها مختلفة كلياً عن ظروف حياتي، لكني منحتها جزءاً صغيراً مني وهو أن والدها يعمل في شركة نفط العراق، حتى يتسنى لي الحديث عن عوالم أعرفها كالحديث عن البصرة وشوارعها، وشخصيات رواياتي تتلبسني كلياً، الكاتب المبدع من غير الممكن أن يكتب رواية من الفراغ، دون امتلاكه الخيال، الذي يضيفه لأحداث واقعية أو أشخاص مرّوا في حياته، وأماكن زارها.
* هل نجحت الروايتان الفلسطينية والعراقية في نقل معاناة الشعبين؟
– أعتقد أن الكثير من الروائيين كتبوا عن هذه القضايا ومعاناة الشعبين، ونجحوا في نقل وتصوير معاناتهما، مثلاً (فرانكشتاين في بغداد) لأحمد سعداوي، و(الحفيدة الأميركية) لإنعام كجه جي) وغيرهما الكثير.
* المجتمع العراقي يمر بنقطة تحول، لاسيما فيما يخصّ المرأة العراقية وشراكتها الرجل في مجالات الحياة كافة، ماذا تقولين لها؟
– المرأة العراقية قوية وتعرف ما تفعل، وتحقق نتائج رائعة وصحيحة، هي امرأة أنيقة وبطلة، فهي من أوائل النساء العربيات المتعلمات في مجالات الحياة كافة، في العلوم والطب والسياسة وغيرها، أنا فرحةٌ بهن كثيراً.
* ماذا عن دجلة وبغداد؟
– دجلة حبيبي الذي أعشقه ويسكن روحي، وبغداد أتنفسها، لكني لم أجد بغداد التي أعرفها، فالحسرة تأخذني عند التجوال فيها، فشارع السعدون لم يعد كما كان سابقاً مليئاً بالسينمات ومحال الأزياء، وشارع الرشيد تغير، أين مكتبة مكنزي، ومصور آرشاك؟ وشارع النهر الذي تغير هو الآخر كثيراً، لكني أرى أن المجتمع العراقي ما زال محافظاً على الكثير من العادات المتأصلة فيه والتي لا توجد عند الكثير من الشعوب الأخرى، فالغيرة والشهامة والشجاعة ما زالت باقية، فاذا خسرنا كل هذا، خسرنا العراق.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.