صمــت الأنـيـن

157

رجاء خضير /

حينما يتحول أنين الاستغاثة الى ألم حقيقي نابع من رحم الطبيعة, فهو يمزقُ خضرة الأرض وسكون البحر, محاولاً الإمساك بالريح العاتية المغادرة صوب الأمان الذي تبحث عنه بطلة قضيتنا لهذا العدد, والتي حدثت في احدى القرى القريبة من مركز المحافظة وعلينا ان لا نطبّع اجيالاً خلقوا لغير زماننا لأننا سوف لا نحصدُ الا العذاب الذي نتشاطره نحن وهم …..

قضيتنا على لسان الأب …

كانت ابنتي الثالثة في تسلسل أولادي, تتمتع بجمال وذكاء في آن واحد, خشيتُ عليها من الذهاب الى مدرسة القرية فهي تبعد عنا مسافة ليست بالقليلة، ولكن إصرارها وإصرار شقيقاتها اللاتي يكبرهن جعلني أذعن لرغبتها, تفوقت على أقرانها بالدراسة والجمال وخفة الدم, فكانت حديث القرية آنذاك, امتلكني حزن لا اعرف سّرهُ, وحدثت شقيقها الكبير عن مخاوفي وبأن نقنعها لتترك المدرسة, توسل بي أن نتركها وشأنها, فهي بعد طفلة في الابتدائية فلماذا كل هذه المخاوف؟

اكملت الإبتدائية وكانت الأولى على مجموعتها, الأمر الذي دفع افراد عائلتي إلى ان يطلبوا مني ان تكمل دراستها ضاربين أمثلة بـ (!) و (!) البنات اللواتي اكملن حتى دراستهن الجامعية!

حدثتني أمها وطلبت مني أن اقول الحقيقة, هل عملك في العاصمة يسبب خطراً علينا، هل تلقيت تهديداً ، ولماذا كل هذا الخوف عليها حصراً!!

لم أجب حينها, استعذتُ من الشيطان, وتركت شقيقها يشرف على دراستها وايضاً يرافقها في الذهاب والمجيء الى المدرسة. ومن سوء الصدف أن شقيقها هذا قُبل في احدى الجامعات في بغداد، وهذا يعني ان تذهب هي بمفردها الى المدرسة او مع بعض فتيات القرية القلائل. في يوم دخلت عليّ ابنتي الكبيرة وقالت لي: أبي, لماذا تركنا نحن الدراسة بينما هي (!) مستمرة؟ نحن ايضاً بناتك وكلنا اذكياء و … و…. , لماذا حرمتنا من ثقتك ومنحتها لها و ….

قاطعتها: هي أختك, وعليكِ ان تفرحي بما تحققه من نجاح، قاطعتني وقالت: اذن حّدثها ان تترك فلانة (!), وخرجت من الغرفة.

تجمدت الدماء في عروقي لأن فلانة (!) غير مريحة. لم أنم ليلتها , فوضعت خطة لمراقبتها دون علم من في البيت, أخذت اجازة من عملي ولكني لم اخبرهم، كنت أخرج صباحاً كالعادة واعود بنفس المواعيد التي تعودتُ عليها, كنت اتخفى وراء الاشجار المنتشرة على طريق المدرسة. صدقت ابنتي الكبيرة, فقد كانت تلازم هذه (!) منذ بداية خروجها من البيت الى المدرسة وبالعكس، ما دفعني أن احدثها وبصراحة عن فلانة، وبأنها منفتحة جداً وتصرفاتها لا تتناسب وظروف قريتنا, وأخبرتها بأنها على علاقة بــ (!) والجميع يعرف ذلك.

قالت : وماذنبي أنا؟ فهي مخلصة لي وتحبني, وأنا ايضاً احترمها. وبأمر حاد غير قابل للنقاش اخبرتها إما أن تترك الدراسة او تترك صديقتها! بكت ودخلت الغرفة المخصصة لها ولشقيقاتها، وعرفت منهن أنها بكت كثيراً واخبرتهن بأنها لن تترك الاثنين. نصحتها شقيقتها الكبيرة بأن والدنا تصرف هكذا خشية علينا لا سيما أنت! ماذا يقول الناس عنك و أنت لا تفارقين هذه (!) ….

في الصباح ذهبت الى المدرسة من طريق آخر كي لا تلتقي بتلك الصديقة، هذا ما رأيتهُ حينما راقبتها في اليوم التالي, وحمدتُ الله أنها استجابت لرغبتي، ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان ولم يخطر على بالي، فحينما خرجتا من المدرسة معاً انحدرتا الى طريق آخر واسرعت خلفهن بحيث لا يكتشفاني.
ورأيتهما تتحدثان مع شابين, بالتأكيد هما من القرية ولكني لا اعرفهما بسبب عملي وغيابي عن القرية!!

كدتُ أهوي نحو الأرض, إلا انني تمسكتُ بجذع نخلة قريبة مني, دقائق وعادتا الى الطريق المعتاد لتفترقا كل واحدة في صوب، لئلا يراها أحد ويخبرني. عدت الى البيت مبكراً, وحاصرتني زوجتي باسئلتها لماذا! ولماذا! هل تعاني من مرض فالشحوب والوهن واضحان عليك! التعب، فقط التعب, أريد النوم!
اغلقتُ باب الغرفة, لم أحبُ رؤيتها, اكتشفت أن ابنتي الجميلة الهادئة الذكية تكذب علينا جميعاً, بل وتؤكد لي أنا والدها بأنها قد تركت صديقتها نهائياً.

اخذتُ قراري بشأنها، وهو ترك الدراسة نهائياً دون ان أوضح لهم الأسباب, بكت وتوسلت, فبلّلت حتى قدمي ولكنني لم اتراجع, فهي في بداية الانحدار الى الهاوية، حدثتها طويلاً وبمفردنا وبأنها كبقية شقيقاتها ايضاً اللاتي تركن الدراسة لمساعدة أمهن وأنتِ كذلك. وحينما رأت قراري حاسماً لا تراجع فيه اقسمت بأنها سوف لن تلتقي بها أبداً : وهنا انفجرت بها وضربتها لكذبها علينا وسألتها عن الشابين و … و… دهشت وكذبت الخبر ظناً منها ان احدهم قد أخبرني ولم يدر في خلدها الطفولي أنني أنا الذي اكتشفت الأمر، ومن يومها لازمت الغرفة.

جاءت صديقتها الى البيت, لم ادعها تدخل, واخبرتها بأنها تركت الدراسة نهائياً وطلبت منها ان تقطع علاقتها مع ابنتي، ضحكت وذهبت. الشرود والشحوب بديا واضحين على ابنتي, حاولت أمها معها أن تتقبل الأمر وتنشغل باعمال البيت لاسيما وأن شقيقتيها قد عقد قرانهما وقريباً ستتزوجان وتتركان البيت, وطلبت منها مساعدة أمها، لم تنطق ببنت شفة بل وضعت رأسها ونامت.

احترتُ بابنتي وكيف أتصرف معها، انتظرتُ زواج شقيقتيها لأتحدث معها عن ابن خالها الذي تقدم لخطبتها ولكنها رفضته وبشدة. حاولنا جميعاً اقناعها دون جدوى، توسلت أمها بالقبول والخلاص من هذا العذاب ولكنها اصرت على رأيها بالرفض.

في احد الأيام سمعتُ حديثاً لمجموعة من الشباب يتحدثون عنها ولقاءاتها السابقة بــ (!) ووعوده لها بالزواج و …. و….. لم يتعرفوا عليّ من أنا ! عدتُ الى البيت وطلبت من زوجتي أن تذهب لزيارة ابنتي, وأنا سأبقى معها. اخرجتها من الغرفة وطلبت منها ان تصارحني ماذا فعل بها هذا الشاب لتتعلق به هكذا،
اجابت: لا شيء يا أبي، لا شيء. دخلت غرفتها واغلقت الباب عليها, عادت الأم الى البيت، واتصل بي شقيقها من بغداد يطمئن عليها ويخبرني بأنهُ قلق عليها جداً! طمأنتهُ عليها. في الصباح سمعت صراخ والدتها حينما فتحت الباب وجدتها مخنوقة ومعلقة بعمود المروحة!!

وكانت الضربة القاضية لي, حينما اتهمتني زوجتي بأنني فعلتُ ذلك للتخلص منها, حاولت افهامها بأنني بريء مما يفكر به الجميع ولكن الأدلة والاحاديث شكلت ادانة واضحة لي، وكان أنين امها يفجر الصخر, أحيلت الى الطب العدلي الذي أثبت عذريتها وانها لم تتعرض لأي أذى مما افكر فيه!

أنا الآن وراء القضبان، انتظر صدور الحكم, الذي صدر مسبقاً بتفكك عائلتي ودمار البيت.

وما زالت القضية قائمة ………

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.