صورةٌ مستطيلة لوطنٍ مكسور

71

أحمد هاتف /

أصدقائي الذين أخذتهم رياح التوقيع في “سجل الحضور الصباحي”.. الذين” مضت بهم الحرب الى الجدران”.. الذين “خطفتهم أسواق النفط والإعلانات”.. أصدقائي الذين “يضحكون عالياً في صور الطفولة”.. هؤلاء الذين وقفوا كـ “المرايا تحت أسد بابل، وفي شهقات الأعياد، وعلى أكف السفرات المدرسية”..
أصدقائي اليشاغبون العدسة في درس الإخراج السينمائي، الذين يتثاءبون كثيراً في محاضرة الثقافة القومية”.. أصدقائي الذين شغف بهم أستاذ “الخدع الألماني” ولم يعجبهم “والت ويتمان” ولم يفقهوا هذيان “سان جون بيرس” وفلكه الأسطورية.. أصدقائي على مقعد الدراسة الخشبي الذين يبحثون عن إجابات “سيتا هاكوبيان في درس اللغة الإنكليزية”، ويتجنبون ملاحظاتي في “درس السيناريو”.. هؤلاء الذين أطفأت ريح العزلات سواد شعورهم الطويلة، وأفسدت خطابات القائد برامج تعليمهم العالي.. ولم يعودوا يلبسون الرمادي والكحلي الأنيق.. أين هم الآن .. أي الدروب تحمل ابتساماتهم الطرية في صباح شتوي .. أين أحزان غرامهم وقصص البنات الملبدات بالبياض والخجل..؟
لماذا أيها الوطن لاتنام إلا تحت ظل البندقية.. لماذا تنجب المانشيتات صوتاً صدئاً كل يوم.. لماذا تترك الإلبومات الفرحة مكسورة القلب مهملة في الزوايا … أصدقائي الذين يتركون فيلمهم المفضل قبل حلول العقدة .. وينامون مبكراً كي يتسنى لهم ان يحلموا بصورة “الأبيض والاسود”.. أصدقائي الذين “كبروا مبكرا”: فارس طعمة، مضر محمد، مؤيد محسن، ناجي طعمة، سيتا هاكوبيان، أحمد البحراني، محمود شبر، أمل حسن، فاضل وتوت، ناجي منشد الذي كان يوزع حقلاً من هدوء في صباحات الأناشيد الوطنية.. عماد اسماعيل الذي ترك ثيابه مهملة في يسار روحي ومضى قبل أن يدرك “ضبط العدسة بالدقة المطلوبة”، قيل إن الضوء لم يكُ تاماً لذا سرقته الدموع .. أصدقائي هناك.. تحت ظلال الخصلات السود لوفاء القيسي، تحت شوارب الصرامة الكاذبة لمعاون العميد الطيب.. أين هم الآن.. أي حطّاب غليظ القلب أنت أيها الوطن! أصدقائي الذين تعلموا أغنيات الحرب باكراً: حسن كريم.. عبد الحسين النعمة، رائد شرقي، جمعه زغير، نداء مندلاوي، هالة الأعظمي، منى جاسم، منى خضير، ورقاء، فالح كريم.. اسماء كثر أيتها الساحة المربعة: زهراء علي، لقاء العيساوي.. شاربا ظافر الخطيب المزدهيان.. كنزة عبد الوهاب الدايني الحمراء.. قصائد استناد حداد .. شكايات كمال سبتي.. صوت مناضل داود الجهوري.. اغنية سهام الرطبة.. العود المكسور بيد روحي الخماش.. أيها الراعي لحقل الرصاص.. كيف بوسعك أن تتأمل تلك الصورة بالأبيض والأسود؟

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.