“عيني يالطولك حمام”.. الى موفق محمد

123

أحمد هاتف /

هل كانت بئر حياته مالحة ونهره جفّ إثر تعرق قمصانه؟ .. هكذا تأخر عن اللحاق بآخر نبكة*.. كنت اتساءل وأنا أدخن آخر قصائده الحليّة كيف استطاع عبور الجسر القديم لحياته؟.. حياته التي كانت مزرعة قطط وديوك.. والكثير من وبر الحبر الناشف، حياته التي تركته قرب آخر قنينة ذكرى ومضت الى الحرب.. حياته التي امتزجت بالشاي والمقاهي والحيف.
هو آخر البراري التي قصدتها الأنهار.. هكذا يوم كان عمره مستقيماً مثل سعال..
بائع لماء ورد الأحزان.. وِلِدَ قرب حمام أكلت نصفه التقارير ولم تطمئن لوجوده المساجد.. حتى أن آخر إمام للجامع القريب طالب بسوق أبواب الزقاق الى الحرب.. والتبرع ببقايا عتق “الطاك” الى السيد.
هو دفتر ملاحظات حياة.. يبكي فترتفع اصوات الورد في قميصه المزهر.. يجيد صياغة نمنم الحزن.. فقد علمته السجون القريبة من مسقط رأسه كيف يقلي نبتات الصبر.. لينجز مدينة.. المدينة التي نصفها “موفق” ونصفها وجهه.. وجهه الذي يخجل منه الكتاب.. فرط شغب السخرية في لهجته الحليّة.. هو عبديئيل الطالع من معبد ننماخ.. حيث أعدم القائد بغايا المعبد في حملته الإيمانية.. فظل بدون نساء.. لذا سكن الأمسيات مترنحاً.. يهزج أغنيته:
(أعطيني الحل.. فقد أرهقني هذا العَرقُ الدوليُّ الفَلّ)
أخبرني جسر الحلّة يوماً
قال: أعرفهُ مُذٌ كان يخبئ وجه المعرّي خلف خطاب القائد.. مُذْ بكت الحرب على مجموعة أدونيس.. مُذٌ تعرى قوساً في “الطاك” لينجبه.. مُذٌ أخطأ فيه الوزن فانكسرت في عينيه المقهى.
أعرف هذا المذبوح بعشبه.. الذاهب الى أقصى مايربك حزن الحزن.. اليكتب سعفاً وخيول عربات كانت تنهر أسى الحلّة حين تمر..
حين أقام فروض الورقة، جرّ موفق لهجته الحليّة ليضع كرسياً لها قرب كمنجة رشيد الأعمى.. وأطلق خراف قصائده ليربك السوق والمدنية.. وهكذا جاء حافياً الى الشعر.. اشعل سيجارته وسط هلع النقاد.. وشرب استكانة شاي المتنبي ممزوجة بصوت سعدي الحلي ومنقوعة بإيقاع عباءات نساء الأزقة اللائي كنٌ يشرقن مضيئات كـ الأويلي.. كتب على مقعد مكسور.. فمشت قصيدته تجالس الباعة والسائقين العموميين.. والصفصاف..
كان إيقاعه مشوباً بـ طقطقة الصفّارين.. ونداءات الباعة.. وربما امتزج بصوت مسبحة سرقت كفّ عجوز في المقهى المغلق منذ الحرب.. الحرب التي أكلت يابس تمره وأخضر عينيه.. لذا كنا نسير بحذر في سطوره كي لانطأ دموع الأمهات المنثورة على يمين ويسار المقطع..
في “الطاك” أدرك العتق ورندحة الظل والضوء.. وعلى أنغام العزاءات أدرك المشي الى الاحتجاج.. الاحتجاج الذي فتح أبواب الفقر.. الفقر الذي يعبر جسر الحلّة القديم كل يوم.. مستغرباً أن تبقى “الوردية” وردية رغم موت الضوء في العباءات..
موفق.. يارفيق السقوف العالية و”دولبني الوكت”، متى تقف أقدارنا مستعدة لأداء فرائض الفرح الرشيد؟ ..
أيها الموفق بالارتفاع الى هامة الحزن.. لاتنكسر أرجوك “لأن نهراً سيخرج خلفك بدموع من يتامى”، لاتنكسر أرجوك “لأن مدينة ستأكل اشجارها” ولأن “الجسر العجوز المازال يمسك بيدين مرتعشين صوبي النهر سيموت بارتفاع ضغط الوجع”..
أيها الموفق في الوصول الى مرأى القيامة مبكراً.. لاتخذل شجرة التوت.. والصفصافات العجائز ومقهى الجندول، “لأن الحلّة تقف الآن على ماتبقى لها من ليمونات صوتك” …فـ ” ابق مشمساً لأن الدفاتر لاتموت.. فثمة مايجعلها تنهض كل صباح بانتظار شمس حلّةٍ اخرى..”
……
*نبكة : شجرة السدر باللهجة العراقية
* العنوان هو إحدى قصائد الشاعر موفق محمد (صدك يالطولك حمام)

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.