غريبٌ في حياتنا

162

رجاء خضير /

الخيرُ والشر يتصارعان منذُ بدء الخليقة, الصراع الذي أثقل كاهل البشرية بالجريمة التي خطّها هذا الخلاف لتسيل الدماء على الأرض.
الأمواج هادرة تتصاعد بين المدّ والجزر، كلٌّ يريدُ الإنقاذ والخلاص من هذه الدوامة, ولكنها علَت وغطّت مساحات العقل والقلب ولا نعرف كيف وصلت الى هذا الحد من الجرم الذي يكون بشأن أقرب وأعز الناس.
هذا ما نجده في قضيتنا التالية والتي حدثت في العاصمة بغداد…..

ورثتا عن والديهما ثروة لا بأس بها, جعلتهما تعيشان بأحسن مستوى بحيث لا تحتاجان الى قريب او صديق, فهما أختان فقدتا والديهما في حادث مروري. وهما في المرحلة الإعدادية من دراستهما كانت الكبيرة تتصف بالهدوء والحنان، أما الأصغر منها فكانت جميلة ومتهورة في أمور الحياة, وقد تعاظمت حالتها هذه بعد وفاة والديها, فكانت الأخت الكبيرة تتجاهل الكثير من تصرفاتها رأفة بها ولتنفذ وصية أمها برعاية أختها الصغيرة. اشتدّ الصراع بينهما حينما قررت الصغرى ترك دراستها لتتعين في إحدى الشركات الأهلية والتابعة لوالد صديقتها… حاولت معها كثيراً لتتراجع عن هذه الفكرة دون جدوى, فاستعانت بعمّها الوحيد ليتحدث معها، لكنها أصرّت على موقفها، ثم طلبت مساعدة خالتها التي وقفت في صف الصغيرة، بل وشجعتها على العمل.
وهكذا غلُبت على أمرها لتبقى حزينة ولا تتحدث مع أختها إلا قليلاً لا سيما وأنها (الكبرى) في المرحلة الأخيرة من دراستها في الإعدادية، وقد كرّست نفسها لتحصل على معدلٍ عالٍ وتحقق رغبة والدها في دراستها للصيدلة. وحصلت على ما تمنتهُ بعد جهد ليس بالقليل ودخلت كلية الصيدلة لتتميز فيها طوال سنواتها الدراسية. …
وخلال هذه السنين كانت بين فترة وأخرى تتكلم مع شقيقتها الصغيرة لتعود الى مقاعد الدراسة وتترك العمل في هذه الشركة التي عليها علامات استفهام وأسئلة، فكانت إجابتها (أنها حُرّة في ما تعمله وتراه صحيحاً). وينتهي النقاش بينهما لتذهب كل منهما الى غرفتها. لاحظت الشقيقة الكبيرة تأخر الصغيرة خارج البيت بل ورأت سيارة أجرة توصلها الى الباب دائماً, استمر هذا الحال فترة لم تستطع بعدها تحمل الوضع, فاتحتها عن سبب التأخير ومنْ الذي يوصلها بنفس السيارة يومياً, وأكدت لها بأن الجيران بدأوا يتساءلون كثيراً عن سبب التأخير و…و , صرخت بوجه أختها الكبيرة: “ليس من حق أي شخص التدخل في حياتي، ثم أنني أريدُ تقاسم الإرث بيننا, تأخذ كل واحدة نصيبها وتعيش كما يحلو لها لترتاحي مني.”
صرخت الكبيرة بوجهها:”ماذا تقولين ومنْ علّمك هذا الكلام!”
أجابتها وبكل وقاحة: “حبيبي الذي وعدني بالزواج حينما يتحسن وضعه”، ردت الكبيرة عليها:”منْ هو ؟ وكيف تعرفتِ عليه؟ وما أدراه أنك تملكين….”
أجابتها:” أنا أخبرته بكل شيء, بل ووعدته بأن أساعده مادياً ليحسن وضعه وأوله أن يغيّر سيارته التي يوصلني بها، أليس من حقي أن أتمتع بنصيبي في الميراث؟”
لطمت أختها الكبيرة وصرخت:”كيف تخبرين رجلاً غريباً عنا وعن أدق الخصوصياتّ! إذن هو طامع بكِ وبما تملكين, الرجل الذي يرضى مساعدة صديقته فقط هو رجل انتهازي وطامع بنقودكِ, بل وقد يستغلك لأغراض دنيئة أخرى تشوه سمعتنا بين أهلنا ومعارفنا, وفي النهاية سيزهد بكِ ويرميك.”
تركتها تتحدث ودخلت غرفتها لتفتح المسجل بأعلى صوته لترقص وتغني على أوجاع ودموع أختها التي تراءت لها النهاية المشوؤمة.
في الصباح حملت حقيبتها وودّعت أختها الكبيرة بعبارة مختصرة: “لن أعود الى هذا البيت أبداً, اتصلي بيّ حينما يحضر المحامي الذي أبلغته بتقسيم ماورثنا من والدي, وكل يذهب الى ما يريحه.”
حاولت الأخت الكبيرة منعها من الخروج وهي تبكي وتتوسل بها: “أين ستذهبين”، فما كان من الصغيرة إلا أن تدفعها لتخرج هي، لكنها تعثرت بالسجادة لتقع أرضاً حيث التقت نظراتهما. حاولت الكبيرة مساعدتها بالنهوض ولكنها لم تقبل, بل وأخرجت هاتفها ليدخل رجل غريب بعد ثوانٍ, شديد السمرة, ملامحه تدل على حقارته ووسخه ساعدها على النهوض وحمل حقيبتها بين صدمة أختها الكبيرة التي عقدَ لسانها.
اتصلت بها أن تعود وستنفذ لها ما تريد وبحضور عمها، اغلقت الهاتف بوجهها, وهنا ابلغت عمها بما حدث وكذلك خالتها وخالها. اجتمعوا جميعاً وطلبوا منها (من الصغيرة) أن تحضر الى بيت والدها. بعد ساعة من الزمن أتت مصطحبة الفتى الأسمر معها وقدمته للجميع بكل جرأة بأنه خطيبها وزوجها المستقبلي، ضحك جميع الموجودين وبسؤال جماعي:”منْ هو وماذا يعمل, ولماذا اختاركِ انتِ بالذات؟” لم تجب على أي سؤال, لأنه هو المتحدث عنها فقال:”أنا الحارس الأمين على أملاكها من طمع أختها الكبيرة, التي ترفض إعطاءها نصيبها من الميراث.”
وهنا تدخل المحامي: “إذن أنت الحارس على مالها فقط, أما حمايتها, حبّك لها, وعودك لها كلها هراء.”
صُدم الجميع بهذه الاسئلة التي لم يعرف الأجابة عنها، واشتد الخلاف والمناقشات الحادة بين الجميع، وكان الغريب.. عفواً الحبيب، يشترك وكأنه واحد منهم. علت أصواتهم ليسمعها الجيران فدخلت عليهم جارة قريبة لهم, وحينما رأته صرخت أمام صمت الجميع :”ماذا تفعل هنا (يا أبا فلان )، كيف هو حال زوجتك وأولادك؟ أسكتها بصرخة منه ففهمت أنه كذب على الجميع فخرجت مسرعة.
انكشفت أوراقه كلها، أما أهلها فقد نظروا الى ابنتهم الصغيرة التي انهارت حينما عرفت الفخ الذي نصبه لها، وحينما أوقع العدواة بين الأختين وأوهمها بأشياء لم ولن تحدث وقرر الجميع طرده من البيت ومن حياتها، وعند الباب صرخت عليه، ظنّ أنها اختارته هو، وحينما استدار نحوها طعنته بسكين أردته أرضاً في الحال.
صُدم الجميع بهذا الفعل المباغت لهم, اتصلوا بالإسعاف والشرطة التي بدأت التحقيق فوراً بالقضية, والمحامي الذي انتدبتهُ أختها الكبيرة لتقسيم الإرث, طلبوا منه أن يلتزم قضيتها ويخلصها من حبل المشنقة.
فهل ستنجو؟؟ لنترك العدالة تأخذ مجراها ولتصفعها صفعة تفيقها من غيّها وطغيانها،لأنه لم يمُت الى حين كتابة هذه القضية.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.