في الميزان.. صمــت الأنـيـن

116

رجاء خضير /

حينما يتحول أنين الاستغاثة الى ألم حقيقي نابع من رحم الطبيعة , فهو يمزقُ خضرة الأرض وسكون البحر , محاولاً الامساك بالريح العاتيه المغادرة صوب الأمان الذي تبحث عنه بطلة قضيتنا لهذا العدد , والتي حدثت في احدى القرى القريبة من مركز المحافظة وعلينا ان لا نطبع اجيالاً خلقوا لغير زماننا لأننا سوف لا نحصدُ الا العذاب الذي نتشاطره نحن وهم …..

قضيتنا على لسان الأب …

كانت ابنتي الثالثة في تسلسل اولادي, تتمتع بجمال وذكاء في آن واحد, خشيتُ عليها من الذهاب الى مدرسة القرية فهي تبعد عنا مسافة ليست بالقليلة ولكن اصرارها واصرار شقيقاتها اللاتي يكبرنها جعلني أذعن لرغبتها, تفوقت على اقرانها بالدراسة والجمال وخفة الدم, فكانت حديث القرية آنذاك, امتلكني حزن لا اعرف سّرهُ, وحدثت شقيقها الكبير عن مخاوفي وبأن نقنعها لتترك المدرسة, توسل بيّ أن نتركها وشأنها, فهي بعد طفلة في الابتدائية لماذا كل هذه المخاوف ؟
اكملت الابتدائية وكانت الأولى على مجموعتها, الأمر الذي دفع افراد عائلتي ان يطلبوا مني ان تكمل دراستها ضاربين أمثلة بـ(!)و(!) البنات اللواتي اكملن حتى دراستهن الجامعية!

حدثتني أمها وطلبت مني أن اقول الحقيقة, هل عملك في العاصمة يسبب خطراً علينا لا سيما هي، هل تلقيت تهديداً، ولماذا كل هذا الخوف عليها حصراً !!
لم أجب حينها, استعذتُ من الشيطان, وتركت شقيقها يشرف على دراستها وايضاً يرافقها في الذهاب والمجيء الى المدرسة.

ومن سوء الصدف أن شقيقها هذا قُبل في احدى الجامعات في بغداد, وهذا يعني ان تذهب هي بمفردها الى المدرسة او مع بعض فتيات القرية القلائل ….. في يوم دخلت عليّ ابنتي الكبيرة وقالت لي ….

أبي, لماذا تركنا نحن الدراسة بينما هي (!) مستمرة نحن ايضاً بناتك وكنا اذكياء و… و…., لماذا حرمتنا من ثقتك ومنحتها لها و….

قاطعتها : هي أختك, وعليكِ ان تفرحي بما تحققه من نجاح : قاطعتني وقالت : اذن حّدثها ان تترك فلانة (!), وخرجت من الغرفة ….

قالت : وماذنبي أنا ؟ فهي مخلصة لي وتحبني, وأنا ايضاً احترمها.

وبأمر حاد غير قابل للنقاش اخبرتها إما أن تترك الدراسة او تترك صديقتها ! بكت ودخلت الغرفة المخصصة لها ولشقيقاتها وعرفت منهن أنها بكت كثيراً واخبرتهن بأنها لن تترك الإثنين .

نصحتها شقيقتها الكبيرة بأن والدنا تصرف هكذا خشية علينا لا سيما أنت ! ماذا يقول الناس عنك و أنت لا تفارقين هذه (!) ….

في الصباح ذهبت الى المدرسة من طريق آخر كي لا تلتقي بتلك الصديقة : هذا ما رأيتهُ حينما راقبتها في اليوم التالي, وحمدتُ الله أنها استجابت لرغبتي ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان ولم يخطر على بالي … حينما خرجا من المدرسة سوية انحدرا الى طريق آخر واسرعت خلفهن بشكل لم يكتشفاني …

و رأيتهما يتحدثان مع شابين, بالتأكيد هما من القرية ولكني لا اعرفهما بسبب عملي وغيابي عن القرية !!

كدتُ أهوى نحو الأرض, ألا انني تمسكتُ بجذع نخلة قريبة مني, دقائق وعادتا الى الطريق المعتاد ليفترقا كل واحدة في صوب . لئلا يراها أحد ويخبرني ….

عدت الى البيت مبكراً, وسطرتني زوجتي باسئلتها لماذا ! ولماذا ! هل تعاني من مرض فالشحوب والوهن واضح عليك !

التعب : فقط التعب, أريد النوم !

اغلقتُ باب الغرفة, لم أحبُ رؤيتها, اكتشفت أن ابنتي الجميلة الهادئة الذكية تكذب علينا جميعاً, بل وتؤكد لي أنا والدها بأنها قد تركت صديقتها نهائياً:

في احدى المساءات طلبت من شقيقتها الكبيرة أن تقنعني ليذهبا الى المدرسة لترى صديقاتها . ولكن ابنتي الكبيرة خافت مني ولم تخبرني, اقنعتها هي أن يخرجا بعد ذهابي الى العمل وهكذا ذهبا وفي الطريق طلبت من شقيقتها ان تشتري لها الماء من ذلك المحل, ذهبت وحينما عادت لم تجدها وجمدت في مكانها بحثت عنها هنا وهناك وذهبت الى المدرسة بدورهم اكدوا أنها لم تأتِ منذ مدة ! عادت الى حيث تركتها لتجدها مع شاب وقدمته لأختها أنه حبيبها وهو سينقذها مما هي فيه, بعد أن يكمل اجراءات تعينه في العاصمة .

عادا الى البيت وفي الطريق قابلا والدهما عائداً من العمل, استغرب وسألهما ما بهما! افهمته الكبيرة بأنها ذهبت لتسلم على زميلات الدراسة .
اشتاط غضباً, ودخلوا لتبدأ عاصفة من الكلام والضرب, وحينما تقدم لضرب شقيقتها الكبرى حالت بينهما واعترفت لوالدها بحبها الشريف لهذا الشاب : وأنه صادق في وعده لها بالزواج, لم يتركها تكمل … ضربها وعزلها في غرفة مظلمة بمفردها وجبة الأكل تصلها يومياً عبر الباب, ثم تخرج لتغتسل وتقضي حاجاتها, استمر هذا العذاب مدة ليست بالقصيرة واذا ما سأل احد الأقارب عنها تتحجج الأم بمرضها أو النوم :

كاد قلبي يتفطر لحالتها ولكن اخشى من الطيش وتصرفاتها الصبيانية,

سألت عن الشاب, أكد اهله بأنه متزوج وقد رافق زوجته الى حيث عمله

اخبرتها بكل شيء عنه, ما زلتُ أحبه يا أبي ضربة مني اسكتتها ….

اخبرتُ اهله أن يغادروا القرية بهدوء وصمت أو أن يلقى ابنهم حتفه !! بنفس الأسبوع تركوا القرية بحجة مقنعة للجميع …..

احترتُ بابنتي وكيف أتصرف معها : انتظرتُ زواج شقيقتيها : لأتحدث معها عن ابن خالها الذي تقدم لخطبتها ولكنها رفضته وبشدة,

حاولنا جميعاً اقناعها دون جدوى : توسلت أمها بالقبول والخلاص من هذا العذاب ولكنها اصرت على رأيها بالرفض :

وفي احد الأيام سمعتُ حديث مجموعة من الشباب يتحدثون عنها ولقاءاتها السابقة بــ (!) ووعدوه لها بالزواج و …. و…..

لم يتعرفوا عليّ من أنا ! عدتُ الى البيت وطلبت من زوجتي أن تذهب لزيارة ابنتي, وأنا سأبقى معها اخرجتها من الغرفة وطلبت منها ان تصارحني ماذا فعل بها هذا الشاب لتتعلق به هكذا :

اجابت …. لا شيء يا أبي …. لا شيء ….

دخلت غرفتها واغلقت الباب عليها, عادت الأم الى البيت . واتصل بي شقيقها من بغداد يطمئن عليها ويخبرني بأنهُ قلق عليها جداً ! طمأنتهُ عليها …
في الصباح سمعت صراخ والدتها حينما فتحت الباب وجدتها مخنوقة ومعلقة بعمود المروحة !!

وكانت الضربة القاضية لي, حينما اتهمتني زوجتي بأنني فعلتُ ذلك للتخلص منها, حاولت افهامهم بأنني بريء بما يفكر الجميع به ولكن الأدلة والاحاديث ادانة واضحة لي …. وكان أنين امها يفجر الصخر, احيلت الى الطب العدلي الذي اثبت عذريتها ولم تتعرض لأي أذى مما افكر فيه !

أنا الآن وراء القضبان …. انتظر صدور الحكم, الذي صدر مسبقاً بتفكك عائلتي ودمار البيت….

وما زالت القضية قائمة

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.