قابيل وهابيل مرة أخرى

38

رجاء خضير /

هي صرخة مدوية تنفجر في الأعماق لتزيل غباراً قديماً تجمّع في الصدور, ولتمزق أشرعة الصمت الذي بقي أخرساً على مدى سنوات طوال, الصرخة التي نطقت بالحق والعدل, لم يسمعها أحد سوى صاحبها الذي قبُرت معه الحقيقة، هو لم يشأ التحدث ولم يرضَ بقطع صلة الرحم، لم … و لم، فراح هو ضحية هذه كلها ليترك أهلهُ تتقاذفهم أمواج الحياة بين مدّها وجزرها!

أنجبتهما توأماً بعد إنجابي ثلاث بنات قبلهما, وبقدومهما عمّت الفرحة البيت, إنهما ذكور، كيف لا يسعد الأهل والأقارب بمجيئهما, حتى و إن لم نعلن عما في دواخلنا, فإن للذكر فرحة مميزة. أنا لا أفكر بهذا المستوى، لكن الواقع يفكر بالتمييز بين الأبناء، لاسيما أهل زوجي, الذين ساعدوني كثيراً في تربيتهما وكانوا كثيري التدخل منذ اليوم الأول لولادتي لهما, هذا صحيح وهذا خطأ, انتِ لا تتدخلي بهما، هذه العبارات حفظتها عن ظهر قلب وعلي أن أطيع وأن لا أناقش, فرحتي بهما أنستني دوري في الحفاظ عليهما وسلامة التربية, لاسيما وأني أتحمل أعباء البيت وبناتي الثلاث وأهل زوجي.

سارت الأيام وكبرا قليلاً, ولاحظت أن أم زوجي تميل الى أحدهما اكثر من الآخر، فتنبهتُ الى خطورة موقفها اذا استمر الى الكبر بالتأكيد ستخلق العداوة بينهما, صارحتُ زوجي بمخاوفي وطلبت منه أن ينبه أمه على تصرفها هذا, اسكتني بكلمة (لا تتدخلي) وكأن الأمر لا يعني ولدّي فلذتا كبدي, بدأت المشاكل بيني وبينها للسبب نفسهُ, ورجوتها مراراً لكنها لم تكف عن تدليل احدهما على سبيل حرمان واهانة الآخر, فإذا ما أمسك بلعبة أخذتها منه لتعطيها لأخيه وتصوروا ما كان يجري من تفاصيل يومية تقلقني وتثير غضبي وعليّ أن اسكت وأطيع.

كبرا ودخلا المدرسة, واشرفت أنا على دراستهما وايضاً شقيقتهما الكبيرة التي كانت متفوقة علمياً على قريناتها, كانا ينجحان بتفوق ثم دخلا المتوسطة ليتقهقر منْ ترعاه جدتهُ ويتفوق الثاني, تحدثت مع أخته وعملنا على تدريسه وتكثيف ساعات الدراسة, وكانت تصرخ بنا أن لا نضايقهُ, وأننا سبب بكراهيته للمدرسة, هنا ثار غضبي وطلبت من زوجي أن يجعلها تكف عن ترغيب ابني بالراحة وترك الدراسة إن تطلب الأمر, وهذا يحتاج الى تدخل سريع منه, اقتنع بكلامي وحدّث أمه بنتائج تصرفاتها مع ابننا دون الآخر, فقد لاحظ هو (الأب) اسلوب التمييز بين الاثنِين بل والأقسى انهما (ولدّي) بدآ يتشاجران كثيراً في امورٍ عدة، وهذه بادرة خطيرة.

في يوم عدتُ من السوق لأسمع وأرى المشاجرة بينهما والجدة تقف مع مدللها والآخر يبكي ويتوسل بها أن تعيد له كتابهُ الجديد الذي أخذه شقيقه التؤأم, عندها فقدت ما بقي لي من عقل وصارحتها وامامهما بكل ما يعذبني من تصرفاتها هذه، قادته الى غرفتها ومعها كتاب الآخر الذي ظل يبكي وحدّث والده حينما عاد من عملهِ الذي أفهمه انهما شقيقان ولافرق بينهما، سكت الآخر والغصة في قلبي وقلبه، لكن ماذا نعمل وكيف نتصرف, فهي أم زوجي وهو ولدي، وهنا الحيرة!!…

سارت على هذا النهج وتخرجت ابنتي الكبيرة وقبُلت بالدراسات العليا, فحلت محلها ابنتي الوسطى بالإشراف على تدريسهما أساعدها أنا في احيانٍ كثيرة.
تخرجا في الإعدادية وقبل أحدهما، والذي تحبه جدته، في احدى الكليات الأهلية، أما الثاني فقبل في أحدى الكليات الطبية لأن معدله كان ممتازاً.
وحينما عرفت الجدة كأن زلزالاً وقع على رأسها, وتحدثت مع والدهما أن يحاول ويدخله ايضاً كلية مرموقة وهي على استعداد لدفع مصاريفها, اوضح لها أن معدله لا يسمع بذلك. اشتدت الخلافات في بيتنا بسببها هي،

وزاد النفور والابتعاد بين الشقيقين, ذهبت محاولاتي وشقيقاتهما وايضاً والدهما بإذابة الجليد بينهما دون جدوى …

تزوجت اختهما الكبيرة وايضاً التي بعدها, وهنا عرض علي ابني ان يتزوج هو ايضاً لأنه تعلق بفتاة جميلة وأكد بأن جدته على علم بالموضوع منذ بدايته, باركنا له الخطوة ولكن بعد التخرج سيتم له مايريد , لا سيما وأن الفتاة عرفنا أنها قريبة لوالده ولكن من بعيد, لكنه أصر على الزواج بمساعدة جدته التي ساعدته مادياً ومعنوياً لتدخل عروسه البيت وتحيله الى قطعة من الجحيم ما اضطر ابني الآخر ولصعوبة دراسته أن يعيش في بيت عمته التي عاشت معنا التفاصيل وعانت من تصرفات والدتها الأمرّين.

تعثر ابني المتزوج بفتاه احلامه في دراسته الجامعية فأعطته جدته مبلغاً من المال ليفتح مشروعاً ويعمل وشجعته على ترك الدراسة, حدثته أمام زوجته وامامها هي ورجوته ان يكمل دراسته ويعمل ما يرغب فيه, حدثت زوجته على انفراد وطلبتُ منها المساعدة ليعود الى مقاعد الدراسة ففاجأتني بكلامها: وماذا تفيده الدراسة؟؟

اجبتها: اذا كانت الشهادة والدراسة لا تفيد فلماذا لا تتركينها اذن؟ لماذا تدرسين ليل نهار!!
طلبت مني أن لا احدثها بعد الآن.

تخرج ابني الآخر بتفوق وتعين في احد المستشفيات القريبة منا!!

مرضت الجدة كثيراً بسبب تقدم العمر, فأخذها ابني الى المستشفى الذي يعمل فيه, واجرى لها كل الفحوصات والتحاليل اللازمة ثم اعادها الى البيت متعجبة من مكانته وحب الأطباء له, تحدثت طويلاً وامام الجميع عن براعتهِ وتفوقهِ في مجال عمله. انتبهتُ الى ولدي الآخر أنه تضايق من حديثها فاضطررت لتغيير الموضوع, ليلاً سمعتهم (ابني وجدته وزوجته) يتناقشون بشدة, طلبت من زوجي ان يدخل ويعرف ما يجري بينهم فرفض وطلب مني ان لا أتدخل, كيف لا وأنا اسمع صراخ ابني! أنا أم ولا افرق بين ولدّي، توسلت به أن يذهب اليهم فدخل غرفتها وعرف السبب, وحينما قصّه عليّ لم أصدق, فابني الذي تحبه جدته بجنون يطلب منها أن تسجل ما تملكه له فقط, وهي لا توافقه الرأي ولأول مرة تعارضه, عجبنا لموقفها الغريب هذا, هي ترفض له طلباً؟؟
حدثته أنا وطلبت منه ان يترك الأمر فهي امرأة كبيرة ومريضة ولا يجوز أن تتحدث معها بأسلوبك هذا, لا تغضب الله يا ولدي،
رد بقسوة: أريدها أن تسجل لي كل ما تملكهُ وتفعل ما وعدتني به منذ كنت طفلاً, هي قالت لي هذا مراراً وتكراراً يا أمي، فلماذا لا تصدق الآن معي, قلتُ له: اترك الأمر يا ولدي فهناك قانون وشرع وتأخذ نصيبك بهما.

لا، لا أحد يشاركني فيما تملك, هي التي ربتني على ذلك يا أمي.

اشتدّ الخلاف بينهما وكانت زوجته هي من وراء ذلك, تدخلت عمته وعمهُ بعد أن يئس والده منهُ, ولكن دون جدوى. جلستُ معها يوماً وكنا بمفردنا فإذا بها تبكي بحرقة وتعتذر مني عما بدر منها في حياتها تجاهي وتجاه ابني الآخر, واعترفت بخطئها ولكن لات مندم, عجبتُ لموقفها, ذلك الجبل الصامد ينهار أمامي ويبدي ضعفه, قبلّتها ومسحت دموعها وطلبتُ منها أن لا تحزن فصحّتها لا تتحمل كل هذه المعاناة.

وسألتها اين هو وزوجته, قالت: عند أهلها. عادا ليلاً ليفتح الموضوع معها وأكد لها أن والد زوجته قد تبرع بتكملة كافة الاجراءات إن وافقت.

واشتدّ النقاش وحضره زوجي وابني الآخر وايضاً ابنتي التي كانت تدرس وتحضر لامتحانات الاعدادي، طلبت من ابني أن لا يتدخل, ويترك والدهما يفض الموضوع ولكن ابني، مدللها، يبدو أن اهل زوجته قد ساندوه على الخطأ فبدأ يصرخ بوجه جدته ويكسر ما تقع عليه يده ونحن متعجبون من منظرهِ هذا, حاول والده أن يبعده عن جدته دون جدوى, دفع والده بقوه ليقع أرضاً، اسرع ابني الثاني وساعد أباه على النهوض من الأرض, لم يسكت غضبه وأعلنها ثورة لا تهدأ الا بعد أن يأخذ منها ما يريد ويخرجا هو وزوجته بلا عودة.

تقدم ابني الثاني وقبل يد جدته وتوسل اليها ان تعطيه ما يريد وليذهب الى حيث يريد!

رفضت وبشدة, جاء مدللها وحال بين شقيقه وجدته ليخرج مسدساً من خصرهِ ويصرخ سأقتل كل من يقف بيني وبينها والتفت الى شقيقه ويصرخ: انت السبب في هذا كله.

صرخت به أن يسكت ويعتذر من شقيقه الذي تحمله كثيراً, وبدورنا أنا ووالده طلبنا منه أن يذهب ويحضر عمته وعمهُ ليتدخلا كي يهدأ حينما يراهما، اتجه نحو الباب واذا برصاصات تخرج من مسدس شقيقه لتستقر جميعها بظهرهِ وتملكنا الخوف والدهشة والتعجب على حقده وكرهه لشقيقه، اسرعنا نحوه وطلبنا سيارة الأسعاف حيث اخبرنا الفريق الطبي الذي جاء معها بأنه قد فارق الحياة فوراً.

غبتُ عن الوعي شهوراً طويلة وجدّته انتقلت الى رحمة الله بعد أيام.

لقد حلّ الدمار بعائلتنا, بسبب الطفل المدلل الذي لم يكبر ابداً بل كبر طمعه وبشعه ليقتل أخاه خشية ان يشاركه الميراث.

هو يعيش ظلمات المحاكم بمفرده بعد أن طلبت زوجته الطلاق, وبعد أن اعلنا التبرئة منه، ليخيم الصمت والحزن والمعاناة على ابني الذي لم ير شئياً من الحياة!!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.