قصورٌ في الهواء

211
رجاء خضير /
تبحث الوردةُ عن الماء دوماً.. فهو سرُّ حياتها كي تنشر عطرها على منْ تحب, وتباهي به الزمن, وحينما يصيبها الجفاف وتلتفُ من حولها الأدغال معلنة قدوم الخريف قبل أوانه، تتساقط أوراقها تترى مسببة آلاماً وعذابات لوردة كانت تحلم بالحياة, عندها تستذكر ما عملتهُ… وتبقى تتأرجح مع دولاب الزمن الذي لايقف أبداً متوسلة بزمن لن يعود…لن يعود أبداً!!
قال: هي شابة جميلة جاءت الى شركتنا التي أعمل فيها مديراً لقسم الموارد البشرية, تبحث عن عمل، فقد مضت على تخرجها أربعة أعوام ولم تجد فرصة عمل في الدوائر الحكومية, استفسرتُ عن اختصاصها وأمورٍ أخرى, أعطيتها الاستمارة الخاصة بالتقديم, وساعدتها في ملئها ووعدتها خيراً, ولا أعرف لماذا فعلتُ هذا!
بعد خروجها عدتُ لقراءة استمارتها, شعرت بالفرح وبشيء من الارتياح وأنا أقرأ الحقل الخاص بهاتفها…
عدتُ الى مكتبي وأنا افكرُ بهذه الفتاة حصراً دون غيرها من اللواتي تقدمن لنفس الوظيفة. حملتُ الاستمارات جميعها ودخلت الى المدير واستعرضتُ له السيرة الذاتية لجميعهن الا أنني اطلتُ الحديث عنها بالذات, فسألني المدير… هل تعرفها!
أجبتهُ: أبداً.. لكنها تبدو إنسانة محترمة ومهذبة, وشركتنا تحتاج اختصاصها, وافقني الرأي وأبلغني أن أتصل بجميع المتقدمات للمقابلة.. حضرن جميعاً إلا هي.. وجرت المقابلة، وبعد الانتهاء سألني أين الفتاة التي تحدثت عنها, فلم أجد فيهن من تحمل الاختصاص الذي تحدثت عنهُ,
قلتُ.. إنها لم تأتِ! سأتصل بها مرة ثانية, وهنا دخلت السكرتيرة لتبلغنا بأن احدى المتقدمات قد وصلت تواً وسألت هل أدخلها, قفزتُ من مكاني فرأيتها هي وطلبت منها أن تدخل, وعرف المدير أنها هي… سألها عن سبب التأخير عن الموعد فأجابتهُ: بسبب الزحام يا أستاذ:
ثم سألها عن اختصاصها وعن أجواء العمل في الشركة و..و…
شعرتُ بحزنٍ غريب, هو لم يسأل الأخريات هكذا، أكمل الحديث معها, وكتب هامشهُ على استمارتها ((موافق على تعيينها)). فرحَت كثيراً، ولكن فرحتي كانت أكبر, اصطحبتها الى مكتبي وشرحتُ لها تفاصيل عملها, وخيرّتها بين العودة الى البيت لإكمال أوراقها او أن تستمر معنا الى نهاية الدوام, اعتذرت بأسلوب لطيف ومهذب وقالت: غداً سيكون اول يوم لعملي هنا وخرجت…
اتصلتُ بها مساءً متعللاً ببعض الأسباب, شكرتني لمساعدتي إياها في كل شيء وتحدثنا في أمور عدة, ولاحظت أن اغلب اسئلتها تنصبُ على المدير, كيف تعامله مع الموظفين, هل هو عصبي المزاج و..و… اعتذرتُ وأغلقت الهاتف, إذن هي لم تسألني سؤالاً عن مهامي في الدائرة, وما الى ذلك: إنها لا تهتم بي،
وهذا واضح جداً…
باشرت العمل وسارت الأيام ببطء ثقيل, وفي كل يوم يزدادُ قلقي وحيرتي من موقفها مني, فأنا أحببتها حقاً ومنذ اللحظة الأولى, ولكنها لا تبادلني سوى الاحترام…
كان المديرُ يطلبها دوماً بحجة العمل أو بدونهِ وحينما استفسر عن سر دخولها تجيبني سكرتيرة المدير: يريدُ أن يعرف كفاءتها من خلال إعدادها التقارير الخاصة ببعض الأعمال:
تشجعت يوماً وطلبتُ منها أن نلتقي خارج الدائرة حتى وإن كان ذلك في بيتهم: تعجبت وقالت: في بيتنا!
نعم في بيتكم وأمام أهلك…
ذهبتُ على الموعد المتفق بيننا, رأيتُ التعجب والاستغراب عليهم جميعاً فقلتُ:
سبب زيارتي هو إطلاع ابنتكم على سير العمل في شركتنا ولأحذرها من بعض الشخصيات في الشركة، ولا سيما المدير لأنه صاحب ماضٍ مع موظفات الشركة!! لم تدعني أكمل… صرخت: ما هذا الهراء الذي تقولهُ, وماشاهدك عليّ لتأتي وتحذرني أمام أهلي, لم يمض على عملي معكم سوى فترة وجيزة.. كيف استنتجت كل ما قلته؟
أسكتها والدها, وطلب مني أن أكمل…
بعد حديثي هذا رحبوا بي ثانية, وخرجت من بيتهم أجرّ خطواتي بثقل وعقلي مشرّد لا أستوعبُ مافعلتهُ: لمتُ نفسي كثيراً وحاولت الاعتذار لها, ولكن هاتفها كان مغلقاً… انتظرتها صباحاً في الدائرة, ولكنها لم تأتِ, بل طلبني المدير, وابلغني أن (!) قد اتصلت لتطلب إجازه، فوافق لها.
كان عصبياً وهو يحدثني ويبدو أنه عرف بزيارتي لهم وما طرحته من حديث غير متزن ولاسيما عنهُ, خرجتُ من غرفته واعتزلتُ بمكتبي, أفكر فيها وبما فعلته بالأمس, بالتأكيد انني تسببتُ بمشكلة لها, فانا تعرفتُ على والدها حينها ولكنني لم اتعرف على الشباب الموجودين! ولم اعرف صفة قرابتهم لها…
وفجأة اتصلت بي لتقول لماذا فعلت هذا بي؟؟ لقد ساعدتني كثيراً في البداية ولكن موقفك عند زيارتك لنا لا أفهمهُ.. قاطعتها: لأنني أحببتك وخشيتُ أن يأخذك غيري.
قالت: أنا لا استوعب شيئاً مما تقوله، ماذا تعرف عني لتحبني, تعارفنا منذ فترة وجيزة فقط، ثم أجهشت بالبكاء واغلقت الهاتف.
حاولت كثيراً الاتصال بها وكان الرد (الرقم المطلوب خارج نطاق التغطية) ذهبتُ الى بيتهم وقبل أن أدخل رأيت سيارة المدير واقفة أمام منزلهم, تراجعتُ قليلاً… وانتظرتُ خروجه… ثم خرج ومعه رجل في الثلاثين من عمرهِ يصافحه ويودعهُ…
تقدمتُ منهما ليفاجأ المدير بوجودي, ثم قدمني الى الشاب الذي صافحه تواً… أنه زوج(!) وقد تحدثنا معاً عن عودة زوجته الى العمل ولكن في شركة أخرى.
شعرت وكأن صاعقة وقعت فوق رأسي, ولا أعرف كيف وصلتُ الى بيتنا ومنْ اوصلني, عرفتُ بعدها أن المدير قد أسعفني وجاء بي الى البيت، لمتُ نفسي كثيراً, ماذا فعلت بنفسي وبالفتاة المهذبة المحترمة, وأيضاً بحق مديري في العمل… لحظة غباء حولّت أقدار الكثيرين، ولولا حكمة المديرُ وذكاؤه في احتواء هذه الأزمة وما سببته أنا, لتهدمت بيوت آمنة ولتفرق أزواج سعداء,
أنا أعترف بأنني تسببتُ بذبول وردة جميلة… ولا أعرف ما سيكون موقف زوجها منها… وما موقفها هي من العمل… عرفتُ فيما بعد بأنها تركت العمل في شركتنا باحثة عن عمل آخر في شركة أخرى!!
  أنا السبب لأنني بنيتُ قصوراً في الهواء..

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.