لا تحكمـــــــوا عليّ سَلَفاً

283

رجاء خضير /

شمسٌ تبزغ وأخرى تأفل، ليلٌ يعقبُ النهار، ونهارٌ يتبع ليلاً، وأنا بينهما أتأرجح… لا أملكُ أجنحة كي أقترب من نجوم صارت سلوتي بعِدّها ليلاً وليس عندي مرسى أرسو فيه، فبتُّ لا أفرقُ بين ضياء الشمس وعتمة الليل لأنها تنبعث من أعماقي التي غادرت الطفولة والصبا مبكراً،

فأصبحت كهلة لا أقوى على شيء، وأنا بعد لم أكمل العشرين من عمري فقررتُ أن أغادر كل شيء وأسبح في أفلاكٍ غير مرئية لعلها تنقذني من العذابات الهمجية…
هكذا أنا…. لا تحكموا عليّ قبل أن تقرأوا قصتي… بعدها لكم الحكم!
عشنا أنا وابنتي الوحيدة في بيت أهلي بعد أن سافر زوجي للبحث عن عمل في الخارج، طال انتظارنا لكنه لم يأتِ، بل لم يبعث لنا رسالة تطمئننا عليه…وعرفنا لاحقاً أنه تزوج من أجنبية وحصل على الإقامة هناك وأسس له حياة خاصة به بعيداً عنا، ونسيَ أن له بنتاً وزوجة وأهلاً… وكلما حدثت أهله عن موضوعهِ وسألتهم عن مستقبلي أنا وابنتي يصمتون…الى أن جاءني والدي يوماً وطلب مني أن أعود معه الى بيتنا، ومُذّاك بدأت معي ومع ابنتي عذابات جديدة، فوالدي رجل متسلط يحكم جميع منْ في البيت دون نقاش أو حتى سؤال من قبِلنا، كان أخوتي يضيقون ذرعاً بأسلوبه هذا، وأمي تهدئهم وتحثّهم على طاعتهِ مهما كان قاسياً معهم… وأنا كذلك لا أتكلم ولا أرفض له طلباً، قسوته هذه لم تعجب ابنتي التي كبرت وبدأت تفهم الحياة، بل تسأل جهراً عن والدها الذي لم يذكرها يوماً، فكان والدي يغضب عليها ويعاملها كما عاملنا حينها: ولم يعترف بأنهم خلقوا لزمان غير زماننا. في مرة، وبعد أن اشتد الخلاف بين ابنتي ووالدي لأنها رفضت أمرهُ بترك الدراسة، ناقشتُ والدي لأول مرة في حياتي فاستغرب ودهش مني، أوضحتُ له أن ابنتي ترغب في إكمال دراستها يا والدي و…و… فما كان منه الا أن وجّه لي صفعة قوية سمعها الجميع، فوقفت ابنتي أمامه ودافعت عني ووصفته بالمتجبر والظالم، لم يرحمها وقتها بل ضربها بقسوة مرضتْ على إثرها، اتصلتُ بأهل والدها وطلبتُ منهم أن يأخذوها عندهم ريثما تهدأ الأوضاع عندنا في البيت، رفضت جدتها (أم والدها) بحجة أنهم مشغولون جداً بترتيبات زواج ابنهم الصغير (العمّ الأصغر) وأغلقت الهاتف! واحترتُ كيف أتخلص مما أنا فيه، فلا ابنتي تسمع نصائحي وتطيع جدها (والدي) ولا هو يعترف بالمتغيرات ومتطلبات الحياة الجديدة…
فقررتُ الذهاب الى عمّها في محل عمله، وهناك أوضحت له كل ما نعانيه، كل هذا سببه أخوك…زوجي، وطلبتُ منه عنوانه فقط: زعم أنه لا يعرفه، وقد أخبره أصدقاؤه بأنه أصبح أباً لتؤأمين جميلين!! فصرخت بوجههِ: وما ذنبنا أنا وابنته نقاسي شظف العيش وقسوة المعاملة: وأحسستُ أن الحديث معه عقيم، عدتُ أدراجي. في البيت سألتني ابنتي: هل عرفت عنوان أبي يا أمي، وبإشارةٍ مني عرفتْ الجواب، احتضنتها وبكينا معاً….
وهكذا صار علينا تحمّل قسوة أبي التي هي أفضل مئة مرة من رفض أهل والدها لها… تركت الدراسة ونفذت لوالدي ما أراد… لا خروج ! لا هاتف بيدها! لا تجلس مع أي زائر غريب يأتي لزيارتهم…
قلقتُ عليها كثيراً وأنا أرى ذبولها كزهرة قطع الماء عنها، حدثت خالها الكبير بما أحسهُ من تغير ابنتي وحالتها الصحية التي تسوء يوماً بعد آخر، حدّث والدي بالأمر، لكنه ضحك بسخرية وخرج… بدأت تنتاب ابنتي حالات عصبية، تصرخ وتتفوه بكلمات غير مفهومة. على إثرها أخذنا خالها الى طبيب نفساني فأكد لنا أنها مريضة نفسياً وأن مرضها متطور، وبّخنا بالقول: (أين كنتم من هذه الشابة حتى وصلت الى هذه الحالة) كتب لنا علاجاً باهظ الثمن، فما كان مني الا أن اتصل بأهلها: عمّها، جدّها، جدّتها…وضحتُ لهم كل شيء وطلبت منهم أن يتصلوا بابنهم (والدها) دون جدوى.
بعتُ ما تبقي عندي من حليّ ذهبية وجلبنا لها العلاج الذي أدى مفعوله بها، تحسنت تدريجياً، وعند مراجعتنا الطبيب المعالج أكد لنا أنها تحسنت ولكن أي موقف يزعجها أو صدمة قد تنتكسُ أشد مما كانت عليه. وهكذا سارت الأيام ثقيلة عليّ، فأنا أم لابنة مريضة، وزوجة بلا زوج لأنه يحيا في الغربة برفاه وراحة. بإزاء كل هذا كيف أتصرف وكيف أقوى على مواجهة الكل لا سيما (والدي) الذي بدأ يفكر بتزويجها من أحد معارفه؛ رجل كبير أولاده أكبر منها عمراً، ناقشته ورفضت الفكرة دون أن تعرف هي، أجابني بقسوة الصخر: أنا من يقرر ممن تتزوج وكيف تعيش!
حاولنا جميعاً معه ليترك الموضوع دون جدوى، أخبرت أهل والدها بقرار والدي، وبدلاً من أن يقفوا معنا ويرفضوا، فرحوا للأمر وكأنهم سيتخلصون من ثقل يجثم على رؤوسهم!
وتذكرتُ والدها الذي لا يعرف عنها شيئاً: هل نسي أن له ابنة… وماذا سيقول لضميره: و…و
وكم تمنيت أن أراه لدقائق فقط، لكي أصبّ عليه لعنة الله والسماء وكل سخطي، ولكن هيهات…هيهات أن أراهُ، فهو منغمسٌ ببحر ملذاته وترفه الذي منحتهُ إياه زوجته الأجنبية: حرص كل منْ في البيت على عدم إخبار ابنتي بقصة الزواج هذه… ولكن لا أدري كيف عرفت الموضوع كله وممن، صرخت وبكت وطلبت مني أن أخبرها بالتفاصيل، خرج جدها على صراخها وقال لها كل شيء، لم تنطق بحرفٍ ولم تفعل أي شيء، لكنها جمدت بوجه أبي حينما أخبرها بأنهم سيأتون قريباً كي يقدموا لها (النيشان) وهدايا المهر والعرس لأن العريس على عجلٍ من أمرهِ…
سمعت كل شيء نظرت إليّ، وقتها لم أفسر هذه النظرات وصعدت الى غرفتها، فقال والدي موجهاً الكلام لي: ألم أقل لكِ لا تقلقي ستوافق على الزواج: إنها فرٍحة ولكن الخجل والحياء هما من عقدا لسانها….
لم يكمل والدي كلامه معنا لأننا سمعنا الصراخ في الخارج وبابنا يطرق بعنف وقوة وبأناس يخبروننا بأن ابنتي قد سقطت من فوق سطح دارنا، أسرعنا نحو الشارع لنجد ابنتي تسبح في بركة دماء وهي جثة هامدة…
تم كل شيء بعجلة… جاء أهل والدها ليحضروا عزاءها فطردتهم من البيت كما طردونا من حياتهم، تركتني ابنتي وحيدة أسيرة في بيت غريب عليّ هو ومن فيه…
والآن ماذا ستحكمون على ابنتي.. عفواً، وقبلها على والدها!
لكم الحُكم.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.