محمد علي إبراهيم الجبير مدير مصرف الرافدين في العمارة.. حافظ على ( 12) مليار دينار عراقي و ملايين الدولارات من السطو المسلح عام 2003

64

جبار عبد الله الجويبراوي /

لم يكن هذا الخبر من بنات أفكاري وإنما هو حقيقة وقعت بعد أن سقط النظام وعمّت الفوضى كل المحافظات العراقية، وكانت ميسان أولى المدن التي تحررت في 6 نيسان 2003 قبل العاصمة بغداد عندما هربَ المسؤولون تحت جنح الليل وتركوا كل شيء وراءهم لينجوا بجلودهم خوفاً من غضب الشعب
إلا أن تلك الفترة مع الأسف الشديد تميزت بهجوم عصابات اللصوص والسرّاق على ممتلكات الدولة والمال العام ومن ثم اقتحام بيوت المواطنين وسرقة سياراتهم وأموالهم. حيث كنا نلاحظ السيارات المحملة بالمسلحين تجوب الشوارع للسيطرة على سيارات الدولة المخبأة في البيوت والمرائب.

والمصارف كانت أول الأهداف لأولئك المارقين، فلم يبق مصرف لم تنله أيدي الحرامية سوى مصرف الرافدين وإن أخذوا أثاثه وكل ما موجود في صالاته من كراسي ومناضد وحتى التأسيسات الكهربائية والمائية بل حتى السقوف الثانوية.

وحاولوا ليلاً إدخال (الولدن) لفتح بوابة الغرفة الحصينة إلا أن جهودهم باءت بالفشل وهذا لطف من رب العالمين، والفضل يعود إلى الله عز وجل والى الأستاذ محمد علي إبراهيم الجبير مدير المصرف، وثلّة خيّرة من الموظفين. هذه الأمور دوّنها المدير بدقة في كتاب أصدره عام 2013م (مصرف الرافدين العمارة رقم 9) تقع في (44) صفحة تحت الفصل الثالث من الكتاب، تبدأ من يوم 7/4/2003 إلى يوم 27/10/2003، وسأقف عند بعض الأيام الصعبة التي تبدأ في 7/4/2003 حيث دخول قوات المعارضة المدينة بقيادة عبد الكريم المحمداوي. فيما كان يوم 8/4/2003 يوماً عصيباً ابتدأ فيه إطلاق النار بشدة وتبين أن هناك معارك بين السراق وأصحاب البيوت، وان المصرف لا يزال يتعرض للسرقة ومشاهدة اللصوص بين داخل وخارج من باب المصرف الذي فتحوه عنوة دون أن يكون هناك من يمنعهم من الدخول. في يوم 9/4/2003 أقفلت أبواب المصرف من جديد بوساطة سلاسل وأقفال عادية وهي المتوفرة لدى المدير في تلك الأيام الصعبة. في يوم 10/4/ 2003 ظهرت أولى الدبابات البريطانية في منطقة “عواشة”، وما يزال التيار الكهربائي منقطعاً، وفي يوم 12/4 أعيد التيار لمدة ربع ساعة. في يوم 13/ 4/2003 كسر باب الشقة في المصرف وسرقت ماطورات الماء وأعيد قفل الشقة مرة أخرى من قبل موظفي المصرف.

أولى العصابات

في ليلة 14/4/2003 طُرق باب بيت مدير المصرف وخرج ولده لمعرفة الطارق وأعلمه أن هناك مجموعة من الأشخاص في سيارة بيك آب بدون رقم ويبدو أنها من سيارات الدولة المسروقة وفيها رجل حوله حماية وتقف على مقربة منها سيارة أخرى محملة بالمسلحين. طلب الرجل من المدير أن يفتح باب المصرف مدعياً أن الناس (جوعانة) ويريدون الرواتب، وأن المصرف فيه سبعة مليارات دينار وان القاصة فتحت (بالولدن) فأخبر المديرُ الرجلَ بأن المصرف سرقت كل موجوداته بما في ذلك القاصات الصغيرة وفيها مفاتيح القاصة الكبيرة ولم يحن موعد تقديم الرواتب وعاد إلى بيته وهو خائف على حد تعبيره، ماذا سيفعل وربما سيأتون مرة أخرى ويأخذون مفتاح القاصة بالقوة وماذا سيفعل، سيموت ولا يسلم المفتاح، انها ساعات تمر أثقل من كل الزمن.

بعد ساعتين طُرق الباب مرة أخرى وتهيأ الرجل لاستقبال الطارق فيما وقف أولاده في أماكن مختلفة للدفاع عن والدهم ومفتاح القاصة .. (منهو)؟؟ صاح الرجل ومن خلف الباب:اسمع حجي انأ أستاذ ليث مدير التربية.. عرف صوته وفتح الباب واستقبله ومعه مجموعة من الأشخاص يعرفهم جميعا أبلغوه بالحضور إلى ديوان المحافظة في صباح اليوم التالي صباحاً ويكون الاجتماع في المستشفى العام.

اجتماع يوم الجمعة

في يوم 15/4/2003 حضر للاجتماع ولم يتوصل المجتمعون إلى نتيجة ايجابية. في يوم الجمعة المصادف 18/4/2003 حضر المدير ومعه مدراء المصارف في المدينة، وبعد قليل حضر الشيخ عبد الكريم المحمداوي أبو حاتم واستقبله الحاضرون استقبالاً حاراً والقى كلمة دعا فيها الحاضرين إلى تحديد يوم الاثنين المصادف 20/4/ 2003 كدوام رسمي لدوائر المحافظة كافة. غير أن مدير مصرف الرافدين طلب من المحمداوي وضع المصرف تحت حماية مشددة وابلغه بوجود مبالغ كبيرة في خزانة المصرف فيما تكفل أبو حاتم بحماية المصرف خاصة وأن بيته يقع قبالة المصرف في الجانب الأيمن من نهر دجلة والمصرف يقع أمام عينيه. وفعلا فتحَ المديرُ المصرفَ معلناً الدوام الرسمي وقد حضر الموظفون كافة إلى البناية وقاموا بحملة تنظيف استغرقت عدة ساعات.

الشرطة البريطانية

في يوم الخميس 24/4/ 2003 زار المصرف الرائد (مارش جورج) من الشرطة البريطانية ومعه مترجم واخبر الرائدُ المديرَ أن واجبه حفظ الأموال التي تودع في المصرف. فأخبره المدير أن الباب محفور(بالولدن) ولا يمكن فتحه فأبدى الرائد استعداده في تصليح الباب بعد أن يطلع عليه، ورغب في النزول إلى الغرفة الحصينة وأخبره المدير أن لا مانع لديهم ولكن بدون سلاح، وفعلاً سَلَّمَ سلاحه إلى مرافقه الذي انتظره في الإدارة ونزل الرائد والمدير وعدد من موظفي المصرف وهناك سأل عن المفاتيح وفي أي مكان تحفظ! فقال له المدير انه الوحيد المسؤول عن حفظها.. وطلب منه تعيين مكان حفظها إلا أن المدير لم يخبره عنها.. فذهب وعاد يوم السبت 26/4/2003 ومعه العسكري الفني الذي استطاع فتح الغرفة الحصينة وتوجه الموظفون إلى جرد الأموال، وطلب الرائد مارش جورج من المدير نقل الأموال إلى معسكر(أبو ناجي) في مقر الفيلق الرابع، إلا أن المدير رفض الطلب بشدة، وأخيرا طلب تسليم المفاتيح إلى قوات الشرطة البريطانية ولم يسلمها، وطلب منه فقط توفير الحماية للمصرف في الليل والنهار، لكن الرائد لم يقتنع بذلك مصراً على نقل الأموال وتسليم المفاتيح. ونتيجة لإلحاحه على ذلك أرسل مدير المصرف احد الموظفين بسرعة إلى (اللجنة المشرفة على المحافظة) وأخبرهم بالأمر فجاءوا فوراً إلى المصرف واجتمعوا مع الرائد مارش جورج وأبلغوه بحماية المصرف وهم المسؤولون عن التصرف بالأموال ولا يملك أحد غيرهم الصلاحية. ظل الرائد مارش جورج يتردد على المصرف وكان قد حضر قبله اثنان من الشرطة البريطانية. والرائد مارش فظ غليظ لا يتفاهم، اخذ يتعامل مع الجميع بغلظة وشدة ويصيح بصوت عال، وبخشونة المحتل المستبد برأيه. طلب مارش من إدارة المصرف صرف مبلغ (20) دولاراً لكل موظف وعامل في دوائر الدولة في المحافظة حسب أمر الرئيس الأميركي بوش. وفي ضوء ذلك حاول مدير المصرف الاتصال بإدارة المنطقة الجنوبية في البصرة والإدارة العامة في بغداد ولم يستطع وظل يواجه الأمور بشكل مباشر مع السلطة المحتلة (سلطة التحالف). وتمادى الرائد مارش بطلب سحب مبالغ لرواتب العاملين معهم من العرب والعراقيين المترجمين، إلا أن المدير رفض ذلك، فغضب الرائد وصار يصيح بصوت عال والمترجم ينقل انفعالاته وكلماته، فأخبره المدير أن الأموال في المصرف تعود إلى المواطنين وليس للدولة، وهذا عذر من قبل المدير للمحافظة على المال العام، فطلب مارش إجراء موازنة لمعرفة أموال الدولة والمواطنين وترك المصرف غاضباً وجاء في اليوم التالي بكتاب من القيادة العسكرية البريطانية بطلب سحب مبلغ (خمسمئة مليون دينار) لغرض دفع رواتب العاملين معهم من العرب والعراقيين، وقال: نحن السلطة الحاكمة في العمارة وهذا كتاب رسمي يخولنا بالاستلام، فأخذ المدير الكتاب وتم تنظيم مستند صرف نقدي وطلب منه التوقيع في بداية الأمر. رفض التوقيع فأخبره المدير إذا لم توقع لن يُصرف فلس واحد له! وأخيراً تم استحصال التوقيع وثبت هويته حسب الأصول. وعلى اثر ذلك انسحب الرائد مارش وشرطته وخَلَّفَهُ الضابط (سيل) وهو لا يقل حماقة عن سلفه واستلم مدير شرطة العمارة العميد صبيح كايد حماية المصرف وسارت الأمور بصورة صحيحة. وقد صرفت إكرامية ورواتب الموظفين في محافظة ميسان في شهر نيسان من عام 2003م.

ومحافظة ميسان هي أول محافظة في العراق تصرف رواتب الموظفين والإكراميات بعد سقوط النظام مباشرة وبفترة قياسية، والفضل يعود إلى حرص وأمانة هذا الرجل الأمين وموظفيه المتفانين لخدمة أبناء مدينتهم وهم: علي حسين عبد الله وصلاح عبد الخالق ومحمد خليفة وباسم عبد علي يوسف وكاظم عبد علي وعباس وحيد ومحمد علي حلو وقصي ظاهر محسن الرمضان ومحمد جاسم هاشم وحميد عبد الحسين علوان ورحيم حسين رسن.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.