مسجد كوهرشاد.. معلَمٌ يروي تاريخ الفن الإسلامي

32

خضير الزيدي /

ليس ببعيد عن ضريح الإمام الرضا عليه السلام في مدينة مشهد يواجهنا مسجد شيّد ذات يوم ليكون معلَماً بارزاً ودالاً على حقبة تاريخية عريقة تطورت فيها الفنون الإسلامية حيث النقوش والمقرنصات والأقواس، يضاف لها طابع التصميم الخارجي بما يوازي باقي الفنون الإنسانية ويستجيب لاحتضان الزائرين لمسجد عتيق سمّي يوم تشييده بمسجد كوهرشاد نسبة إلى ابنة الأمير غياث الدين ترخان سنة 821 ومن ذلك اليوم حتى هذه اللحظة وهذا المكان يترك بريقاً من الدهشة حيث بناؤه الضخم وعلوّ مناراته وجمال تصميمه وكبر مساحته. كتب لهذا المكان أن يتصل بأروقة متعددة فشاء أن يلتقي برواق (دار السيادة ودار الحفاظ وإيوان الاعتكاف وإيوان الشيخ بهاء الدين). ويتبنى المعمار الإيراني قوام الدين شيرازي وضع لبنات التصميم والإشراف عليه معتمداً على أسلوب يحاكي حقبة الحكم التيموري، غير مبالٍ بفترة إنجازه، وهذا ما جعل بناء المسجد يستغرق اثني عشر عاماً من العمل المتواصل ليترك في لحظة الانتهاء منه دهشة تصيب كل من نظر إليه في الوهلة الأولى. وهذا ما حدا بالأمير (شاهرخ بن تيمور الجرجاني) وهو زوج السيدة (كوهرشاد) أن يجلب معه قنديلاً من الذهب الخالص قيل يومها إن وزنه قد بلغ ثلاثة آلاف مثقال. وتحكي لنا مصادر التاريخ التي ذكرت وقائع تشييد المسجد بأن محرابه مكوّن من الحجر المرمر وهو لا يخلو من نقوش تمثل أعمالاً فنية رائعة، أما المنبر القديم فهو الآخر مصنوع من خشب خاص وهو خشب الجوز والكمثرى المحفور دون أن يستخدم فيه محمد نجار خرساني أية مسامير حفاظاً على بقائه وليعطي شكله بهجة للناظرين. ومن غرائب هذا المنبر أن طوله سبعة أمتار ونصف المتر محتوياً على أربع عشرة درجة وجرى عليه التعديل والترميم بواسطة الأستاذ نيكنام كلبايكاني عام 1946، ومن يتأمل عند دخوله ذلك المسجد سيجد المساحة الكبيرة قد فرضت عليه شكلاً مختلفاً لأنه يعد نموذجاً للفن الإيراني في العصر التيموري، فالإيوان الجنوبي للمسجد المسمى (إيوان مقصورة) بلغت مساحته 500 متر مربع، أما طوله فقد قيل إنه يبلغ 37 متراً وبارتفاع بلغ 25 متراً ونصف المتر، بينما جميع أضلاعه نشاهدها مكسوة بالكاشي النفيس، وحينما نمعن النظر طويلاً في جدرانه سنرى الآيات القرآنية والأسماء الحسنى مع بعض المرويات عن تاريخ المسجد خطّت بشكل لافت وبأجمل ما تعلنه خطوط الثلث من جمال تعبيري صادق، ومن يقف تحت القبّة ويحدق مليّاً في نقوشها وشكلها فسيجد أن ارتفاعها يصل إلى أكثر من أربعين متراً، وقد تزيّن الخارج من تلك القبة بالآجر المزجّج وعليه كتابات بالخط الكوفي. وبين واحد من تلك الإيوانات ترتفع منارتان بلغ ارتفاع كل واحدة منها 43 متراً تحيطهما الأضواء البراقة والزخارف الإسلامية الجميلة. وقد عرفنا ممن له علاقة ومعلومة بهذا المسجد أن المساحة المبنية تبلغ 9410 أمتار مربعة، جزء من تلك المساحة خصص لثمانية إيوانات كبيرة مع وجود سبعة أماكن خصصت للمنام والاستراحة، واطلعنا في إيوان دار السيادة على نوع من الكاشي المعرّق مكتوب عليه اسم السيدة كوهرشاد باللون الأصفر وبخط الثلث. وليس ببعيد عن كل ذلك يأخذنا التجوال والبحث لنتوقف عند شبّاك من الذهب الخالص قيل لنا إنه من المرحلة القاجارية، وهذا ما تعززه أهمية المسجد عند الحكام .قد لا تنتهي دهشتنا عند هذا الحد من رؤية هذا المسجد القديم ونحن نتطلع إلى جمال الزخارف والاهتمام بالأقواس وكثرة النقوش الجميلة، فهي بحق تجعلنا نراقب ونعيد ونتأمل كيف أبدع ذلك الفنان الإيراني في أن يمد الزائر لهذا المسجد بكل هذا البهاء من التعبير الفني وسحر الروحانيات حيث التصميم وشكل المنارتين والآجر المزجّج والمقرنصات التي تلاحق الناظر إليها.

إن هذا المسجد نموذج لفن يرقى بحضارة أمة تعرف قيمة الفن الإسلامي على درجة عالية من حساسية فهم الجمال الروحي والصوفي.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.