مسلمو الصين في رمضان.. الصوم عن الأسئلة أيضاً

65

ترجمة: آلاء فائق/

يستعد مسلمو الصين لشهر رمضان قبل قدومه بفترة، إذ تنشط الجهود الخيرية والدينية، وتنظم الجوامع برامج خاصة لاستقبال الشهر الفضيل، يحرص من خلالها رجال الدين على إلقاء الدروس الدينية الخاصة بآداب الصوم والصلوات. الصين معروفة كذلك بمطابخها الإسلامية، حيث تحفل اجواء ما بعد الإفطار بتقديم الكعك والحلويات التقليدية، ويعيش مسلموها مع طائفة تسمى «هان»، ويمثل شهر رمضان فرصة حقيقية للتسامح والتقارب وتبادل الهدايا وترسيخ اسس المودة والرحمة فيما بينهم.

عند حلول موعد الإفطار، يفضل الكثير من الصائمين بـ(كاشغر)، احدى المناطق ذاتية الحكم، تناول كوب من “الدوغ”، وهو شراب الحليب المخلوط باللبن الزبادي والعسل والثلج.

يشيد كريم إسماعيل، احد سكان بلدة كاشغر القديمة، بفائدة هذا المشروب قائلا: “ليس هناك ما هو أفضل للصائم من تناول كوب منه ليروي به ريقه بعد يوم حافل بالتعب والعطش، مضيفا “على عكس الأعوام السابقة ولحلول رمضان هذا العام في شهر أيار، يستبشر صائمو منطقة الشرق الأوسط ومنهم الصين هذا العام بأجواء رمضانية لطيفة ومعتدلة، تهيئهم لصوم الشهر الفضيل براحة ومجهود اقل”، منوها “كنا في الأعوام السابقة نواجه صعوبة بالغة بالصوم لارتفاع درجات الحرارة، وكان خروجنا للعمل وسط اجواء لاهبة طوال النهار ما يعد بمثابة تحدٍ كبير.”

يضيف اسماعيل: “شهر رمضان هو فرصة حقيقية لنا لاختبار مدى قدرتنا على تحمل الجوع والعطش والصبر، وبغض النظر على مدى صعوبة الصيام اثناء العمل، سأكمل صيام ما تبقى من الشهر.”

يحرص مسلمو الصين على الالتزام بتأدية طقوسهم الدينية من صوم وصلاة وزكاة وقراءة للمصحف الشريف، كما لوحظت ممارسة الأقليات للصوم على نطاق واسع بما في ذلك مدينة الويغور، ذاتية الحكم والكازخ، الأوزبك، الطاجيك، هوي وقيرغيزستان.

ويواصل مسلمو مقاطعة قانسو الذاتية الحكم اعمالهم بشكل متواصل طيلة النهار.

كالمعتاد يستيقظ مايس هاغل وزوجته وابنته عند الساعة الرابعة فجرا، بعد تأديتهم لصلاة الفجر، تبدأ العائلة بيوم عمل شاق.

يقول هاغل “هذا الشهر هو مناسبة جيدة لمسلمي الصين لتنقية القلوب والتأمل، لكن بالوقت نفسه فإن المقيمين من غير المسلمين في حيّنا هم بحاجة ايضا لتناول كعكنا اللذيذ والتمتع بخدماتنا.”

بينما يكون هاغل مشغولا بصناعة الكعك لزبائنه، تكون زوجته برهان عبد القدير، ربة منزل، مشغولة بإعداد الطعام، وتتألف وجبة افطارهم من اللحم الضأن والرز والفواكه والحلويات والخبز والحليب والشاي والعسل، فمن المفروض أن تكون وجبة افطارهم غنية لتعينهم على العمل والصوم. تضيف برهان “اعتدنا على تناول وجبة افطار متكاملة، مع وجبة سحور خفيفة.”

وقبل أذان العشاء يستعد رجال الحي للذهاب للمسجد المجاور لتأدية صلاة العشاء مع التراويح، أما النساء فيصلين في المنزل.
مثلها مثل باقي الأسواق بالعالم، تشهد أسواق الصين ازدهارا ملموسا في هذا الشهر. حامد عيسى، مساعد رئيس شركة لبيع المواد الغذائية الحلال بمنطقة سنجان، يقول: “عادة ما تتضاعف المبيعات خلال هذا الشهر مع تزايد الطلب على المواد الغذائية المصنّعة وشبه المصنّعة”، منوها “عادة ما يمثل هذا الشهر فرصة طيبة ليعدل فيها التجار من أوتار مبيعاتهم السنوية.”

أما هرمت برتي، الذي يدير مصنعا للسجاد بمدينة أرتوش الواقعة بمحافظة سنجان ذاتية الحكم، فيفكر بتقليل ساعات عمل عماله المسلمين لتكون من 3-4 ساعات يوميا طيلة رمضان.

يذكر أن الصين لديها نحو 20 مليون مسلم يعيشون في جميع المحافظات تقريبا. ينهمك موظفو المساجد في رمضان باستقبال المزيد من المسلمين الصينيين، فضلا عن استقبالهم لمسلمي الجاليات الأخرى، لا سيما الوافدين من جنوب شرق آسيا ودول الشرق الأوسط.

يقول يانغ، احد العاملين بمسجد دونغقوان الواقع بمقاطعة تشينغهاي، وهي موطن لأكثر من مليون مسلم: “حرصنا منذ اليوم الأول من رمضان، على بذل المزيد من الجهد، مقارنة بالأيام العادية، حيث نلتزم يوميا بإعداد وجبات إفطار وسحور مجانية للمسلمين القادمين لمسجدنا، والذين سيشهد عددهم تزايدا بهذا الشهر الفضيل، سواء كانوا من الأهالي المحليين، أم ممن يتوافدون علينا من بلدان اخرى.”

وانغ شفونغ، إمام مسجد، احد مهامه استقبال الزوار والتحدث معهم يقول: “الامتناع عن تناول الماء لمدة يوم كامل هو تحدٍ كبير لشخص مثلي يتحدث كثيرا، لكن الكثير من الزوار يراعون عدم توجيه الكثير من الأسئلة لي خلال النهار.”

بعد مغيب الشمس، ورفع أذان المغرب، تلفت انتباهك مجموعة من الفتيات الصغيرات المتجمعات عند باب المسجد، يقدمن التمور للصائمين الداخلين للمسجد، كما يحرص بعض المصلين على جلب اباريق الشاي والحليب وعصائر البطيخ للمشاركة فيما بعضهم.

مو جيان، 45 عاما، يغادر المسجد بعد انتهائه من صلاته، يقول: “عائلتي أعدت المعكرونة باللحمة مع اطباق الحلويات، وفرحتي ان افطر معهم بعد يوم صيام طويل.”

مسلمو الجاليات في الصين

يستذكر المسلمون من مختلف بقاع العالم أيامهم الرمضانية الجميلة التي امضوها في بلدان بعيدة عن اوطانهم، ففي الصين، يكون المسلمون أحرارا باتباع طقوسهم الدينية.

يقول عمران النواب، الذي درس الطب العام والجراحة للفترة 2008-2013 بالصين، ضمن برنامج منحه درجة البكالوريوس من جامعة تشنغتشو، انه حظي بصوم رمضان أربع مرات في الصين، ويعد تجربة صيامه خلال مدة اقامته بالجيدة جدا.

يخبر النواب وكالة شينخوا الصينية: “قبل حلول أول رمضان لي بالصين، كنت قلقاً جدا على وضعية صيامي وسحوري ببلد غريب لا اعرف عنه الا القليل، مضيفا “شعرت بحبور وراحة لدى رؤيتي الصخب الذي تحفل به المطاعم الإسلامية وكذلك المساجد بالصين، فقصدت احد مطاعم “الحلال” وقت السحور وتناولت الطعام استعدادا لصيام اول ايامي هناك.”

حفلات الشواء

يقول النواب “ما أثار إعجابي بالمطعم الذي قصدته برمضان هو حرص كادره على تقديم وجبات طعام اضافية ومجانية حصرا للمسلمين، فكنا نغمر بحفاوة بالغة دون غيرنا من مرتادي المطعم من غير المسلمين.” ويعرج النواب على حفلات الشواء او ما يعرف بـ “Barbeques” التي كانت تقام لمسلمي الجاليات الأخرى، يقول “حال انتهائنا من صلاة العشاء كان مسلمو الصين يحتفون بنا وكان ترحابهم بنا يتجسد من خلال هذه الحفلات وهي التفاتة حب لا تنسى منهم.”

يسترسل النواب “يحافظ مسلمو الصين على صيامهم مع حرصهم الدائم على الذهاب للمساجد لتأدية الصلاة”، مشيرا الى “أن المدينة التي كان يقطن فيها تضم أربعة مساجد كبيرة.”

عيد الفطر

كما لا يفوته تذكر ايام عيد الفطر الجميلة، منوها “في اول ايام العيد كنا تقصد مسجد المدينة الكبير لتأدية الصلاة ومعايدة بعضنا البعض”، لافتا احتفاء مسلمي الصين بهم لدى رؤيتهم لهم وهم يصلون معهم، وللمسلمات نصيب ايضا من صلاة المسجد.

بعد انتهاء صلاة العيد، على حد قول النواب، تقوم مجموعات من مسلمي الصين بمعايدة وتهنئة مسلمي العالم من الجاليات الأخرى، بعد ذلك يدعوهم لتناول وجبة غداء مميزة أَو عشاء خاص.

ما انطبع لدى النواب طيلة فترة اقامته أن مسلمي الصين أحرار باتباع دياناتهم، وحريصون على تأدية الصلاة في أوقاتها، نفس كلماته ترددت على ألسنة الكثير من مسلمي الجاليات الأخرى ممن امضوا عدة رمضانات لهم هناك.
حرية الأديان

الحاج رحيم، رجل أعمال ماليزي سنحت له الفرصة ان يزور الصين خلال رمضان لعامين متتاليين، حيث اقام اول مرة بقوانغتشو، جنوبي الصين، والثانية بأورومتشي، شمال غرب الصين، لفته حرص مسلمي الصين على تأدية فرائضهم الدينية بحرية واسعة، نافيا عدم وجود أي حظر على تأدية طقوس هذا الشهر الفضيل.

ويضيف “في رأيي، كانت اجواء رمضان في قوانغتشو مقاربة لحد ما للأجواء بماليزيا، في حين يبدو مسلمو مدينة اورومتشى كمسلمي الشعب العربي، فهم حريصون على الصوم والصلاة.

ورفض عبد الودود الملا فرحان الملا، وهو إماراتي، يدرس بكلية الطيران المدني في قوانغتشو، الشائعات التي تزعم ان الحكومة الصينية تفرض سياسات تقييدية على المسلمين لمنعهم من الصيام، منوها ان مسلمي الصين ودودون للغاية وأنه واصدقاءه العرب أمضوا شهر رمضان مثلما كانوا يمضوه ببلدانهم العربية.

عن موقع / وكالة شينخوا الصينية

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.