مكتبة التحرير.. ساهمت بإثراء مكتباتنا بعشرات الكتب العربية

57

آية منصور /

تنتظرنا تلك المكتبة وتستقبلنا بابتسامة الكتب المرصوفة على طول الأرض، مكتبة التحرير.. التي تنتصب قبالة ساحة التحرير منذ أكثر من أربعين عاماً، توقفنا عندها ليحدثنا راعيها عن كل شيء مر أمامها. “سام بنّاي جار الله” ابن صاحب المكتبة، استقبلنا بحفاوة رغم الحر الشديد الذي ظل يلاحقنا ونحن نجري الحوار،يخبرنا سام عن مكتبة والده التي كانت في منتصف الستينات مجرد “كشك” بسيط، مع مجموعة قليلة من الكتب والصحف والمجلات، ليتحول ذلك الكشك الى المكتبة التي أطلق عليها اسم “التحرير” نسبة الى ساحة التحرير التي تقع المكتبة قبالتها، كان ذلك في عام ١٩٧٠ لتبدأ رحلة لا نهاية لها مع العناوين والإصدارات وعالم القراءة.
رئيس الناشرين العراقيين
لم يكمل”بناي جار الله” دراسته، غير أن شغفه الصادق بالمطالعة والقراءة كان جديراً بأن يجعله أحد مثقفي المجتمع العراقي آنذاك، لتصبح مكتبته، التي تبدو واضحة بقربها مكتبة النهضة العربية، إحدى أهم المكتبات التي يتوافد عليها العديد من الكتّاب والفنانين. ولكثرة جهود السيد جار الله بإثراء مكتبات العراق بعشرات الكتب من مختلف الدول العربية، استطاع أن يصبح من المؤسسين لاتحاد الناشرين العراقيين بالاشتراك مع”هاشم الرجب ” و”هاشم العزاوي”، صاحب مكتبة (الشرق الجديد) و”ابو محمد الحاج عبد الراضي” صاحب دار الكتب العراقية. كما وأنه كان أول من انتُخب من قبل ذلك الاتحاد نفسه رئيساً له.
السجن للمكتبة!
يؤكد لنا سام، بمرح وضحكة كبيرة، أن والده كان يتعمد شراء وبيع الكتب اليسارية الشيوعية، وبسبب أفكاره تعرض للسجن سنة كاملة، فقد كانت أغلب الكتب التي يعمل بها والدي كتباً ماركسية، وكان القراء يتجهون تلك الفترة لذلك الصنف من الكتب كنتيجة لشيوع الفكر الشيوعي وانتشاره.
كتب ورفقة لا نهائية
يبين جار الله أن التحرير لم تكن مجرد مكتبة وحسب، بل استطاعت أن تطبع العديد من العناوين وتصدرها خارج البلاد، ومن أهم تلك العناوين: “تحت سماء الجليد”، “الضياع”، “امرأة في الثلاثين”، “الساعة الخامسة والعشرون”، “ألف ليلة وليلة”، “كفاحي”، “الأمير”، و”روكان بول. ” كما طبعت كتباً أخرى كثيرة في الاقتصاد والدين ولها بحوث عديدة أثرَت الطلبة بمصادرها ومعلوماتها الهائلة. يتذكر سام روّاد المكتبة وضيوفها الذين استطاع معاصرتهم ورؤيتهم يتوسطون الكتب وهو صغير السن حينما بدأ العمل مع والده، فمن أهم روادها من الشعراء الشاعر الكبير نزار قباني، الذي كان صديقاً للسيد بنّاي جار الله، وكان لا يترك لحظة حين يكون في بغداد إلا وتكون لمكتبة التحرير حصة فيها، إضافة للأدباء يوسف الصائغ، وعبد الإله أحمد، وعبد الخالق الركابي، وباقر ياسين. ومن الممثلين طعمة التميمي، وراسم الجميلي، ومحسن العلي، وبهجت الجبوري وجواد الشكرچي، كانوا يجتمعون بصحبة والدي، بأحاديثهم المشوقة والممتعة ولساعات طوال، حتى يمر الوقت دون أن ينتبهوا، تلك الأيام أتمنى أن تعود.
مكتبة تجمع الأصدقاء والعلم
الأستاذ عقيل الحسني، المتخصص في الأدب الروائي/ الجامعة المستنصرية، يتحدث عن المكتبة كأحد روادها، كيف انه ذات صدفة وهو يبحث عن مصادر لبحوثه للماجستير يقول: في ذلك اليوم أخبرني الأخ “سام” أن هناك طابقاً علوياً للمكتبة فتوجهت لذلك الطابق حيث وجدتُ كثيراً من العناوين التي عفا عليها الدهر، والحمد لله وجدتُ ضالّتي أخيراً.
منذ ذلك اليوم أصبحت له علاقة طيبه بصاحبها الحالي “سام”، وكلما وجد نفسه متفرغاً أحد الأيام يزور المكتبة وقد يساعد أيضاً في البيع.
يضيف: المشكلة اليوم أن شهرة مكتبةٍ ما لا تعتمد بالأساس على تراثها التاريخي بل على مواكبتها للذوق السائد للقراء. ويؤكد أنها تتميز بكونها مورداً مهماً للمصادر البحثية، تلك التي تعتبر العَمد الأساس في الدراسات والبحوث الجامعية وغيرها، ليس هذا فحسب بل هي ملتقى يزودنا بالعلاقات الاجتماعية الرفيعة التي تعتبر الحجر الأساس لوجود إنسان الأمس واليوم.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.