من دخل مدينة السعادة فهو آمن

110

مقداد عبد الرضا /

ولو انني اعرف ان كل جهاتنا تنتصر للصوت دون الصورة وان العالم ينتصر للصورة لا للصوت منذ الخليقة ودبيب الانسان فوق الارض, لذا نجد ان الفرق شاسع, كمية الشرور التي مرت وتمر كل يوم على هذه البلاد الا يمكن لها ان تقول شيئا مهما للعالم من خلال الصورة, الوثيقة؟ لكن حينما تبادر برغبتك للتوثيق ينبري لك الجميع بانهم يعرفون وبامكانهم ان يصنعوا هم هذه الوثيقة وتظل العجلة في الوحل تدور وتظل البلاد دون شهادة او وثيقة. حيرة كما احسب تقول الفتاة التي تعرضت لللاغتصاب والعنف على مجموعة لقطات لطفولة بريئة في شرق الكونغو: كنا نعيش بسلام في قريتنا, كنت الهو مع اصحابي, نذهب مبكرين صباحا الى الحقول لقطف البطاطا الطيبة, وحينما نعود كان النهر يرافق لهونا, نلعب في الماء دون وجل من التماسيح, وحينما يهطل المطر نتسابق في الشوارع العريضة التي لاحدود لها, نبحث في الرمل, نغسله وحينما نعثر على الذهب نعود مسرعين فرحين الى اهلنا ونحن نغني, قبل فترة حصل الكنغولي الدكتور دينس موكوجي على جائزة نوبل للسلام لتصديه وجهده الكبير في مكافحة العنف الجسدي والجنسي كسلاح للحرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية, هذا الرجل الباسل له تاثير واضح في انجاز هذا الفيلم الوثائقي (مدينة السعادة) فهو احد ابطاله الشجعان تشاركه كل من الناشطة المتطرفة لحقوق المراة ايف انسلر والناشطة كرستين شولر, في محاولة لايجاد وسيلة لخلق معنى لحياة مئات النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب.

تم انشاء هذه المدينة في العام 2011 في المنطقة الشرقية من جمهورية الكونغو الديموقراطية, النساء اللواتي وقعن ضحية لصراعات التعدين الجارية في المنطقة, يقول الدكتور موكوجي وهو يقود سيارته: نحن الان في مدينة بوكافو التي من الصعب الوصول اليها, لكن العنف يدفع بالكثير للمغامرة في الوصول, الكثير من العوائل تهرب من قراها لتستقر في هذه المدينة بحثا عن الامان, في البداية كان العدد خمسين الفاً والان اصبح اكثر من مليون, الناس يهربون من قراهم بسبب الحرب والعنف الجسدي على النساء, تترقرق الدموع في عيون النساء اللواتي وصلن الى مدينة السعادة توا وهن يحملن كابوس العنف, لكن كلمات مثل انت جميلة, اننا نحبك, وانا ساقاتل من اجلك, يتبدل فيها الاحساس تماما, حلم, وجود, معنى, تنهمر الدموع بحرارة الفرح, انا انسانة, انا موجودة في هذا العالم حتى اساهم في تربيته لا ان يساهم هو في دمار روحي, هنا اصبح للحياة معنى, النهوض بكل قوة وهمة من اجل الحياة, كل الحياة وكل معناها الاثير.
شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية منطقة غنية بالمعادن الاربعة للصراعات وهي الاكثر شيوعا وطلبا للعالم, الكولتان, القصدير, التنكستن والذهب, بعد ان يتم الحصول عليها يتم بيعها الى الشركات في جميع انحاء العالم لصنع منتجات استهلاكية مثل الهواتف واجهزة الكومبيوتر المحمول والسيارات الذاتية الحركة والالكترونيات, وقد ادت هذه المواد الى خلق عدد من المليشيات من اجل السيطرة على المناجم وخلقت هذه الصراعات فظائع لاتوصف في المناطق المحيطة بها ومنها العنفي الجنسي ضد النساء, من المستحيل حصر حجم الكارثة الانسانية بدقة, لكن دراسة امريكية للصحة العامة تقدر ان حوالي 48 امراة يتم اغتصابهن في كل ساعة. في مشفى بانزي اجرى الدكتور موكوجي جراحة تجميلية لاكثر من اربعين الف امراة تعرضن للعنف الجنسي بشكل وحشي من اجل السيطرة على القرى, هذا العنف يصفه الدكتور بانه فظاعة القرن, لكن هل تغير شىء امام كل مايحدث؟ العالم يراقب بل هو اصلا غير مبال لما يحدث من مجازر من الانسان ضد اخيه الانسان, الحياة اصبحت عبارة عن جرن دم يلعقه الساسة المهيمنون على مقدرات الشعوب, لا احد يهتم , تقول مديرة الدفاع عن النفس ويني يانغو: ان كان والدك, او عمك اوالمدرس في مدرستك او حتى الكاهن, ليس هناك سبب للصمت, كل مايمكن ان يظل في الذهن هو عدم الخوف والافصاح عما تعرضتن له من عنف واعتداء جنسي حتى لايحدث لاخريات, بلوعة تقول احداهن انها كانت نائمة في منزلها حينما تم الهجوم على بيتها في الغابة, قطعوا اعضاء عمها التناسلية وذراعيه وساقه وتركوه يعاني دون موت, اغتصبوها وتركوها مقيدة الى شجرة, فجأة سقط راس عمها فوقه, بدات بالصراخ الى ان جاء الجنود الطيبون وانقذوها.

بعض المراجعات عن بيع معادن الصراع التي تمت في العام 2012 بينت ان لجنة الاوراق المالية والبورصة الامريكية تفرض على الشركات الافصاح عن استخدام هذه المعادن وكميتها وكان على كل شركة ان تقدم تقريرا بذلك, في العام 2016 نشرت منظمة العفو الدولية دراسة خلصت الى ان العديد من الشركات الخاضعة للابلاغ لاتزال تساهم في تمويل الجماعات المسلحة وتغذي انتهاكاتها, ليست هناك نية في التغيير, هم يريدون الاستمرار في نهب العالم دون شهود, الدكتور موكوجي يقول, يتوقف ذهني عن العمل حينما اشاهد البعض من النسوة وقد تعرضن الى هذا العنف غير المعقول, لم اعد قادرا على النوم, راودتني كوابيس, فجاة تذكرت ابنتي, اين هي؟ وقبل ان اراها بدات بالارتعاش, ماذا لو حدث كل هذا لها؟ ماذا سيحدث لي؟ لا احد كان يستمع لي حينما قلت انني ارى اعضاء تناسلية انثوية مخربة اثناء النوم, الجميع ظن انني جننت, سخروا مني, فكرت بالرحيل عن الكونغو, لكني فكرت لو كنت انا ضمن مشيئة الرب فسيفتح لي بابا, وكان هذا الباب, باب مدينة السعادة, بعد الغداء وكانت ايف انسلر قد وصلت للتو, سألت النساء عن حياتهن, بعدها بدأنا بالرقص, شعرت بأن الرقص اراحهن بشكل رائع , كان شيئاً لايصدق, غير معقول من العلاج النفسي, كانت تلك اول مرة من المرحلة كلها, ذهبت الى البيت ونمت بعمق, عليّ الاستمرار وعدم التوقف ومن اجل ان يذهب الجميع مرة اخرى ليغني ويرقص ويجمع حبات الرمل ليصنع منها اقراطا للجميلات.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.