هشام المدفعي.. شيخ المهندسين المدنيين وعرّاب بغداد

354

ريا عاصي /

أتم الأستاذ هشام المدفعي عامه التسعين في الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول للعام الفائت 2018 وهو مازال يتمتع بروح الإصرار والمثابرة من اجل عراق جديد، فمنذ شروعه في حقل العمل الهندسي في أربعينات القرن المنصرم حمل تجديد العراق هدفاً لا يتخاذل عنه للحظة برغم كل الصعوبات والمحن التي مرت بها البلاد ومر بها شخصياً.

نشأته
في فصله الأول من كتابه (نحو عراق جديد، سبعون عاماً من البناء والإعمار) كتب عن عائلته بكل صدق وحب هذه الكلمات: “نشأت في أسرة عراقية بغدادية عريقة، لقبت بأسرة المدفعي، اذ كان جدي ومن بعده والدي من ضباط صنف المدفعية في الجيش العثماني في الهزيع الأخير من العهد العثماني في العراق. وكنت اعرف أن جدي من أصول كردية، وأن زوجته من أصول عربية غير أني لم أدرك في نشأتي فوارق في تلك الأصول التي يعج بها المجتمع العراقي منذ قرون طويلة. كما لم أجد في أسرتي من يتحدث عن ذلك إلا في لحظات قصيرة وبصورة عرضية ليس إلا، فقد كان الانتماء الى الوطن هو الغالب على جميع الانتماءات الأخرى، فلا حديث عن عنصر او طائفة او مذهب الا لماماً، ثم عرفنا تلك الأمور بعد توسع المعرفة الذاتية. اما ما قيل عن انقسام واضح وحاد في المجتمع العراقي فليس موجوداً إلا في اذهان من تاجر بهذه الفوارق وجعلها معابر الوصول لأهداف سياسية او شخصية.”
ترتيبه الثاني بين إخوته فهم: قحطان، هشام، سهام، عصام، إلهام ومن ثم ميادة التي اسماها معروف الرصافي بذلك.
كل من عمل مع هشام المدفعي وكان قريباً منه أقر في قرارة نفسه بأنه حقاً “عرّاب بغداد.”
كان لأبي دور كبير في جعلي أتطلع الى أحياء بغداد القديمة منها والحديثة بكل فخر واعتزاز، فهو الذي كان يصحبني بجولة نهرية لنتعرف على بغداد القديمة والحديثة، نتابع النوارس في النهر ونرقب السجاد وهو يغسل على سفح دجلة، نتطلع الى المدرسة المستنصرية والقشلة والقصر العباسي عند الرصافة ومنزل مس بيل والسفارة البريطانية ومستشفى الولادة وسوق السمك وشارع حيفا في الكرخ.
جمعتني الصدفة لأكون ضمن عائلة دار العمارة للاستشارات الهندسية بين عامي 2006 و 2007 حيث الدم والخراب، تعرفت على أبي الروحي وعرّاب بغداد واكتشفت أنك ما إن تتجول بنظرك في أرجاء بغداد الا وتجد أن له يداً في أي صرح حولك: العمارات السكنية في شارع حيفا، الفنادق عند دجلتها، قصر المؤتمرات، نصب الشهيد، الطريق السريع محمد القاسم، العمارات السكنية في السيدية، خطط إعمار سكك الحديد، بدالة السنك، الخط السريع بين ساحة النسور وكرادة مريم، جزيرة بغداد، نصب الجندي المجهول وساحة الاحتفالات، وزارة التخطيط، جامع بنّية، بدالات المايكرويف وغيرها العديد من المشاريع والصروح المعمارية التي ساهم فيها إما بشكل مباشر او كاستشاري،
أليس هو حقاً عرّاب بغداد؟!
تعليمه وحياته العملية
منذ تخرجه عام 1950 في كلية الهندسة جامعة بغداد، كانت دورته الدورة الخامسة. عمل متنقلاً بين محافظات العراق وكانت أول وظيفة يشغلها هي مهندس مسّاح في البلديات العامة شمال العراق ومن ثم في مطار الغزلاني بالموصل ومن بعدها في أمانة العاصمة بغداد لينتقل بعدها الى شركة نفط البصرة وينتقل للسكن في الفاو مع زوجته سعاد علي مظلوم وهي اول مهندسة معمارية عراقية تلتحق بالعمل في شركة نفط البصرة لتلد له غادة وكميت.
عمل في مراحل متقطعة في أمانة العاصمة إذ كان اول عمل يشغله فيها هو معاون مهندس في شعبة طرق الكرخ عام 1953 خلال فترة (مجلس الإعمار)، الذي اقامته المملكة العراقية إزاء دخول واردات النفط للخزينة العراقية وتضاعف الميزانية من 7 ملايين دينار عراقي الى خمسين مليون دينار عام 1952، ومن ثم في الستينات حتى بداية السبعينات ليعود بعدها في الثمانينات في خطة اعمار بغداد مع المعماري رفعت الجادرجي.
عام 1955 تدرب في إنكلترا على إقامة المشاريع الكبرى مثل المطارات والسدود والمدن وما الى ذلك من مشاريع ضخمة. نتج عن هذه الدراسة بناء اغلب المدن والمصايف السياحية في شمال العراق، اذ عمل في مصلحة المصايف حينها، وعشرون ألف وحدة سكنية في مختلف انحاء العراق.
عام 1962 درس في الولايات المتحدة الأميركية ثم السويد والنرويج والدنمارك سياسات الإسكان والمواد الإنشائية المستخدمة في مشاريع الإسكان لمدة عام ليعود ويكتشف انه قد تم حجز أمواله من قبل نظام البعث. بالرغم من ذلك عمل على انشاء مركز بحوث البناء وتطويره وبعد أن شعر بأنه قد أدى واجبه تجاه بلده الذي أوفده للدراسة قدم استقالته واتجه للعمل في المقاولات العامة وكانت أمواله ماتزال مصادرة من سلطة البعث.
دار العمارة
تأسس مكتب دار العمارة في خمسينات القرن المنصرم على يد المعماري قحطان المدفعي شقيق الأستاذ هشام المدفعي لينسحب من العمل فيه لاحقاً ويستمر الأستاذ هشام ليومنا هذا يعمل في مكتبه، الاثنين من كل أسبوع هو لقاء المهندسين الاستشاريين العاملين معه في دار العمارة، آخر أعمال دار العمارة الخطة الهيكلية لتطوير محافظة كربلاء أتمها عام
يوميات هشام المدفعي
يحافظ الأستاذ هشام المدفعي على روتينه اليومي، اذ يتناول فطوره يومياً بين الثامنة والثامنة والنصف صباحاً ليتابع بعدها عمله في دار العمارة حتى الواحدة بعد الظهر، ثم يتناول غداءه، بعدها يأخذ قيلولته البغدادية. ومن الخامسة عصراً وحتى السابعة مساء يجلس في مكتبة داره يتابع بحوثه ودراساته، اذ يعد اليوم بحثاً عن أصل البيت وماهيته خلال الحقبة ما قبل السومرية ومن ثم، وحسب قوله، يجلس عند غرفة التلفزيون (المعيشة) ليتابع الأخبار ويستمع للموسيقى. يقضي صيفه في بغداد ويزور ابنته عند الشتاء.
حديقته الغنّاء في منزله الذي يقبع في كرخ بغداد في مدينة المنصور يحرص هشام المدفعي أن يقدم لضيوفه قطعاً من السندي و(النومي حلو) في صحن فخار عراقي صنعته أنامل الراحلة (نهى الراضي)، فكل ركن في منزله عراقي وكل قطعه من منزله هي لوحه عراقية غنية تتمتع بالأصالة كما يتمتع بها صاحب الدار.
كان لوالده الأثر الكبير في حياتهم، كعائلة تتنقل بين محافظات العراق بين شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، في تعزيز الصلات وفهم طبيعة وانماط الحياة المختلفة والخاصة لكل منطقة من مناطق العراق ما جعله يدرك خصوصية كل محافظة ونمط حياة أفادته في بحوثه ومكّنته من رسم مخططات لمدن ومحافظات ساهم في تطويرها أثناء مسيرة عمله.
يحتفل دوماً برأس السنه الميلادية مع أصدقائه قبل أيام من نهايتها ويحرص على أن يكون المقام العراقي سلوتهم.
له أمنية أن يقام مجلس لإعمار العراق وأن يعمّر شارع الرشيد وهو يقولها دوماً: إني على استعداد لأن اساهم في ذلك ما دمت حياً، لأن العراق سيد من النبلاء ربما بان عليه الكبر لكنه يبقى عالياً وأبيّاً.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.