تحقيق
يرفضها الدين والمجتمع..اعراف عشائرية تفكك كيان الاسرة
يرفضها الدين والمجتمع..اعراف عشائرية تفكك كيان الاسرة


الفتاة (ن-ق) ذات العينين العسليتين والقوام الممشوق بنت الثامنة عشر ربيعاً لم تكن تعلم انها ستكون ضحية عرف عشائري جائر أجبرها ان تتزوج من رجل لا تشعر نحوه باية عاطفة أو حب لاسيما وانه تجاوز الأربعين من عمره، وكانت موافقتها القسرية لكي لا يقتل اخوها وارضاء أهل المجني عليه.. لتدفع ثمن ذنب لم تقترفه لتكون كبش فداء يقدم على طبق من ذهب تحت تسمية (الفصلية)!!
ضحية العرف العشائري
تستذكر أم دلال قضية ابنتها الحزينة وهي تتألم وتقول ابنتي ذهبت ضحية تقاليد وأعراف عشائرية جائرة بسبب قتل ولدي لشخص اثر مشاجرة مع سائق احدى المركبات في المرآب الذي يعمل فيه اذ بدأ الشجار بالسب والقذف بينهما لينتهي باطلاق ولدي النار على الرجل فتوفى في الحال.

اليوم المشؤوم
وتتابع.. هنا بدأت المعاناة والاختيار الصعب بين ان يقتل ولدي أو تعطى ابنتي (فصلية) ومن دون مهر ولا حق أو حقوق كباقي الزيجات المتعارف عليها وهذا حسب العرف السائد في عشيرتنا.. واسترسلت في القول وهي تذرف الدموع.. ما زلت أذكر ذلك اليوم المشؤوم حين فارقتني ابنتي فيه عندما تقدمت لي وقالت انا موافقة على الزواج رغم انني لا أرغب بهذا الرجل ولكن من أجل دموعك وانقاذ أخي من القتل.

هل يسمح الشرع بذلك؟
تستدرك.. عندها ومن دون سابق تحضير مراسيم الزفاف، أخذت ابنتي بالثوب الذي ترتديه الى بيت زوجها (اهل المجني عليه) واشترطوا علينا بأن لا نأتي لزيارتها ولا نذهب اليها وليس لنا حق التدخل في حياتها اطلاقاً، وفي ختام حديثها قالت.. ها أنا منذ عام لم أرها! فأي حكم يمنع الأم من رؤية ابنتها وهل يسمح الشرع بهذا؟

حكاية رقية
أما رقية (20) عاماً ضحية  أخرى لذات العرف العشائري تسرد حكايتها وهي تجلس تنتظر دورها لتدخل الى الطبيبة النسائية لتطمئن على حملها.
تبادلنا اطراف الحديث وبدأت تهمس لي بصوت خافت كي لا يسمع زوجها الذي كان في غرفة الانتظار قولها..
تنهدت بحسرة وقالت.. لم أر أهلي منذ ثلاثة أعوام وانا مشتاقة جداً لوالدتي.. وذلك بسبب جريمة قتل عمد ارتكبها والدي في حالة من العصبية والتهور عندما أطلق على رجل كان على خلاف معه من أجل مبلغ من المال.. وبهذا كان حكم العشيرة باعطائي (فصلية) كي لا يقتل والدي فأنا اعيش الأمرين، فليس لي حق في أي شيء (لا مال ولا بنون) وليس لي حق حتى في هذا الطفل الذي في أحشائي!

يتعاملون معي وكأنني خادمة
وتضيف رقية.. عائلة زوجي معاملتهم سيئة معي وخصوصاً والدة زوجي فهي تتعامل معي وكأنني خادمة في البيت وزوجي لا يتفوه بكلمة ازاء هذه التصرفات فهو يقول انت (فصلية) وأتينا بك للخدمة وتربية الأولاد فقط وليس من حقك حتى في هذا الطفل الذي تحملينه انك مجرد للولادة والتربية ولخدمة العائلة.
ثم تستدرك بالقول: ان والدة زوجي لا تطيق النظر اليّ لأنها تقول عندما أراك أتذكر ولدي الذي قتلتموه بدم بارد!
وفي نهاية حديثها قالت رقية.. أنا في العشرين من عمري وأنا على هذا الحال فكيف لي أن أكمل بقية عمري وأنا كسيرة الفؤاد؟

الانصياع لتقاليد العشيرة
اين العدل والانصاف وأين هي الرحمة والمودة والرأفة التي توصي بها قوانين السماء الالهية كمسلمين من مواقف كهذه؟ وهل يجوز للعرف العشائري أن يدمر حياة انسانة بكاملها؟
هكذا بدأ أبو محمد المعلم المتقاعد آهاته متأثراً بهذا الموضوع موضحاً لنا: هناك الكثير من الحالات التي يكون فيها الزوجان في مثل هكذا زواج غير ناجح الذي صار لا يطاق لمجرد تنفيذ رغبة الأهل والانصياع لتقاليد العشيرة.

بندقية الصيد القاتلة
ويستأنف.. لدي صديق يسكن منطقة ريفية في محافظة واسط فهم يتحركون ضمن قوانين العشيرة وتقاليدها ومن يحكمهم هو شيخ العشيرة وواضع قوانينها على مر السنين يتبعها الاجيال من بعده.
واضاف.. كان صديقي يعمل في سقي الزرع لأن لديه بساتين ومزارع فهو يتناوب في سقي الزرع بينه وبين جاره.. وقد حصل بينهما خلاف أدى الى قتل جاره باطلاق النار عليه من بندقية الصيد فأرداه قتيلا!!

القدر لابد أن يطاع
ويتابع.. عندها سلمت ابن صديقي الصغيرة أمرها الى الله لتكون فدية أو دية لمقتل الرجل تحت تسمية (الفصلية) فهي لم تبلغ الخامسة عشرة من العمر ولم تفكر بزواج هذا الشاب لأنها كانت تحلم بالانتقال الى المدينة لتتزوج ابن خالتها الذي يسكن في بغداد، ولكن للقدر أمراً لا بد ان يطاع فقد أعطيت (فصلية) لشاب يبلغ من العمر (26) عاماً، لم يكن بحسبانه ان يتزوج من فصلية لا يشعر نحوها بأي مشاعر حب كحبيبة وزوجة للمستقبل بل كان يحلم بزواجه من حبيبته التي يحبها منذ الطفولة لينتهي بزواج لم يكن يضعه في حساباته ولو للحظة!!
ولكن كما يقول أبو محمد.. حكم القوي على الضعيف..
وتابع القول.. لقد أجبر من قبل أهله ان يتزوج من (سلامة) لكي يطبق قانون عشيرته وقد أصبحت حياة الشابين حياة تملأها المشاكل والعذابات فهو لم يتزوج بدافع رغبة وحب بل كان الدافع الاساس هو أخذ الثأر..

مأساة بحق الأبناء
ثم يشير أبو محمد: الى ان ما عانته سلامة من ظلم وجور من قبل والدة زوجها التي تريد ان تزوج ولدها مرة أخرى من فتاة أخرى لتكون (سلامة) ذليلة في بيتهم وهذا على حد قولها!
يستدرك أبو محمد.. هكذا كانت تتعامل والدة زوجها معها كي تنتقم لولدها المقتول "سلامة" ليس لها أي ذنب اقترفته سوى انها ابنة القاتل؟
ويضيف وهو متأثر خاتماً حديثه بالقول.. فعلاً هذه مأساة بحق الابناء والبنات اللواتي ليس لهن ذنب سوى انهن تحت طائلة العرف العشائري!!
فيما بينت لنا هدى التي تبلغ من العمر (30) عاماً قائلة: تزوجت منذ (8) أعوام وكان زواجي (كصة بكصة) أي زوجت شقيقة زوجي لأخي وزوجت أنا بالمقابل من أخيها والحمد لله كان زواجنا موفقاً وسعيداً وقد تولد بيننا حب ومودة كبيرة بعد الزواج.

ثمة منغصات
وتضيف.. زوجي رجل مثقف وزوج مثالي فهو استاذ جامعي ويدرك أمور الحياة ويتفهمها يتعامل معي باحترام وحب ولكن.. هناك منغصات كانت تخترق سعادتنا وهي زوجة أخي فهي لم تكن منسجمة مع أخي بينهما مشاكل كثيرة وفي كل مشكلة تحصل أقع انا فيها الضحية برغم انني ليس لي ذنب في المشكلة.. فعندما تتشاجر مع أخي تترك بيتها لتأتي الى بيت عائلة زوجي الذي أسكن فيه مع زوجي وتقوم القيامة على رأسي ويصرون على طردي من البيت والذهاب الى أهلي بسبب طرد أخي لابنتهم وقد تكررت هذه الحالة عدة مرات حتى وصل الامر بأخي الى ان يطلقها.. وتضيف مسترسلة.. وهذا ما أثار غضبهم وسخطهم عليّ فقد طلبوا من زوجي ان يطلقني مثل ما فعل أخي.. ولكن زوجي رفض ذلك لأن ارتباطنا كان وثيقاً ومبنياً على اساس الحب والاحترام المتبادل بيننا.. فضلاً عن انه مدرك ومتفهم لهذه الامور ولكنه كان يحاول ارضاء والديه لكن من دون جدوى!! لأنهم يعتبرونه متمرداً على قوانين العشيرة.
وتتابع.. فعندما خيروه اما ان يطلقني او يطرد من البيت!! اختار زوجي خروجنا من البيت والعيش بعيداً عنهم وعن تقاليدهم واعرافهم التعسفية.
ظاهرة بدأت بالانحسار
وبعد ان استمعنا الى معاناة ومأساة تلك الضحايا جمعنا اوراقنا وتوجهنا الى أحد شيوخ العشائر الذي رفض ذكر اسمه، من سكنة محافظة واسط.
حيث قال.. هذه الاعراف العشائرية كانت سائدة في الكثير من العشائر ولكنها الان بدأت بالانحسار تدريجياً فهناك القلة القليلة ما زالت متمسكة بعرفها فهناك (الفصلية) وزواج (الكصة بكصة) هذان العرفان لهما شروط وكل عشيرة حسب قانونها المتعارف عليه.. فهناك اختلاف بين عشيرة وأخرى فمنهم من يطلب المرأة (فصل) مقابل القتل العمد ولكن عند التداول في الامر ومع وجود الكثيرين في المجلس يسقطون المرأة وتستبدل بالمال وهناك قسم من العشائر لا يقبل الا بالمرأة (فصل) لانها قد تكون هذه العشيرة سبق ان أخذت منهم احدى الفتيات (فصلية) ولم يستبدلوها بالمال وتكون حسب القسمة العشائرية (سنينة) ويستدرك.. يعني كل حسب قواعد وأسس عشيرته المتفق عليها.

يسبب الكثير من المشاكل
ويتابع الحديث قائلاً.. أما زواج (الكصة بكصة) فهذا أمر آخر يكون فيه تبادل البنات واحدة مقابل الأخرى وهذا العرف متعارف عليه بين العشائر ولكنه زواج تضمن فيه الفتاة حقوقها كاملة لكنه يتسبب بمشاكل كثيرة فهناك بعض العوائل لا تعي ولا تدرك مفهوم هذا العرف فيتصرفون تصرفات غير لائقة بحق الفتاة التي تأخذ بذنب الأخرى التي لا ذنب لها سوى مجرد انها تزوجت من أخ الفتاة الثانية.. وبينما الشيخ مسترسلاً في كلامه قاطعته بشغف كبير لاسمع رده فقلت له.. وهل هذا العرف موجود في عشيرتكم؟ وكيف تتعاملون به؟ ابتسم الشيخ قائلاً نعم موجود لكننا لا نعمل به حالياً فقد كان سبباً لكثير من المشاكل لذلك تجاوزناه وبالنسبة (للفصلية) فنحن استبدلناه بالمال، أي (الفدية).، لكنه كعرف فهو موجود ومنذ الاجداد لكننا أحسسنا بخطورة ومساوئ هذا الزواج فتركنا العمل به لأن فيه ظلما للفتاة وغبناً لحقوقها الشرعية.

شرف العائلة
فيما أدلى الشيخ طارق حسين الجنابي شيخ عشيرة، ويسكن منطقة جسر ديالى بدلوه فقال: ان هذا العرف موجود منذ القدم وحسب تقاليد العشائر لكن حاولنا ان نتحاشاه شيئاً فشيئاً فنحن وبعض العشائر لا نعمل بهذا العرف الا في حالة واحدة لا سمح الله هي خطف المرأة من قبل رجل أي (النهيبة) وهذا لا تعطى فيها امرأة واحدة فقط بل أربع نساء مقابل هذه الفعلة الشنيعة لأنها تمس شرف العائلة... ويضيف.. نحن وحسب عرف عشيرتنا لا نقبل بهذا (الفصل والفصلية) لأن المسألة مسألة شرف ولا يكون لها حل سوى تسليم الفتاة الى أهلها وحتما سيكون عقابها عسيرا وهذا ماهو متعارف عليه بين العشائر.
فقبل أيام كانت هناك مشكلة مثل هذه وقد نهبت احدى الفتيات من قبل رجل من عشيرة أخرى وبدأت تدور المعارك بينهم الى ان وصل عدد القتلى الى سبعة رجال وثلاث نساء من تلك العائلة ولم يسلموا البنت الى أهلها وحتى الآن المعارك قائمة بينهم ولا نعرف ما المصير المحتوم لهذه الفتاة فقد مضى على هذه الحادثة ستة اشهر ولم تنته.
ويتابع... اما القتل العمد فتعطى المرأة الى احد أفراد عائلة المقتول على انها (فصلية) أي بمثابة (الدية أو الفدية).

أعراف تدمر كيان الأسرة
من ناحيته عبر استاذ علم الاجتماع مصطفى محمود عن رأيه بهذا الشأن قائلاً..
ان التأثيرات الاجتماعية والنفسية في مثل هذه الامور كثيرة وخطرة ومن كل الجوانب التي تخص الاسرة والمجتمع فلها تداعيات تترك اثراً وبصمة في حياة الأبناء وتولد فيهم الكراهية وتدعو الى أخذ الثأر في قتل الناس الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى كونهم أبناء العرف العشائري ومنفذين أحكامه فهناك الكثير من التقاليد والأعراف العشائرية قد تكون هي الأساس في تدمير البنية التحتية للأسرة التي تعد النواة الأولى للمجتمع والمنطلق الأساس لتقدمه ويضيف: هذه المسألة تشكل الشخصية الحقيقية للتراث الاجتماعي من جيل الى جيل.. اذن على الأسرة ان تعي وتعلم خطورة الانقياد وراء أعراف وتقاليد بليدة وجائرة على جسد المجتمع، فلابد من استئصالها والتخلص منها عن طريق التوعية الثقافية والدينية،.. ويستدرك: ان وسائل الاعلام لها دور كبير في الوصول الى جميع الفئات والشرائح من المجتمع فلابد من استغلالها لتكون خطوة أولى لمعالجة مثل هذه الأمراض المجتمعية، خصوصاً التلفاز فان له دور في زرع البذرة الأولى للتغيير والاصلاح من خلال عرض برامج تحث على الحد من هذه الظاهرة العرفية ودور الصحافة عندما تتناول الموضوع بصورة صحيحة من كل جوانبه هنا قد تكون أسهمت بدور فعال لنشر الوعي لخطورة هذه الأعراف العشائرية التي تسبب الانكسار للمرأة وعدم الثقة بالآخرين لأن أقرب الناس اليها هما الأب والأم نجدهما قد ضحى بها وبطريقة باردة قد محت كل ما في داخلهما من عاطفة وذلك بسبب عرف وتقاليد عشائرية لا تمت باية صلة للانسانية.
فيما أوضح أحد رجال الدين لم يود ذكر اسمه رأي الشريعة الاسلامية في هذا العرف فقال: هذا العرف يتعارض مع الشرع فهو محرم ولا يجوز العمل به حسب احكام الشريعة الاسلامية.
واضاف.. انه ابتذال للمرأة وانتقاص من قيمتها وأهميتها كونها الأم والأخت والزوجة التي لها دور مهم في حياتنا وهذا العرف يلغي كل هذه الأهمية ويتنكر لهيبتها.
ويتابع.. ولأن الدين الاسلامي جاء لحفظ كرامة المرأة وصونها ومن ضمن ما جاء به عن الرسول (ص) انه أوصى بالبنت اذ قال: (خير أولادكم البنات)  وورد عن الامام الصادق عليه السلام: (البنات حسنات والبنون نعمة فانما يثاب على الحسنات ويسأل عن النعمة).

حقوق أقرها القرآن الكريم
ويسترسل.. كيف يجوز ان نخل بهذه الأمانة التي في أعناقنا فأولادنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض، لابد من حمايتهم وصيانتهم وتربيتهم التربية الاسلامية التي توسع آفاق معرفتهم بالعالم الاسلامي.. بدلاً من أن نزج بهم الى التهلكة تحت طائلة العرف العشائري المحرم وغير جائز العمل به.
فهنا التوعية مطلوبة الى مثل هؤلاء المتمسكين بمثل هذه الاعراف والتقاليد التي لا نجني منها سوى الخراب والظلم الكبير للفتاة وغبن لكل حقوقها الشرعية التي أقرها القرآن الكريم.
الكثير من هذه الزيجات تكون غير موفقة ولها تأثير على مستقبل هذه الأسرة وحتى على أطفالهم لما تعكسه طبيعة هذه العلاقة غير المنسجمة.

أساس الود والرحمة
ويتابع.. قد بيّن القرآن الكريم وتحدث عن طبيعة العلاقة الانسانية بين الرجل والمرأة وأوضح انها علاقة لابد أن تبنى على أساس الاستقرار والود والرحمة والمودة والتساوي في الاحترام والحقوق والواجبات المتعلقة بينهما.
وورد ذلك البيان في قوله تعالى (وجعل بينكم مودة ورحمة) (وعاشروهن بالمعروف).
(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف).
فكل هذه الوصايا من الرسول الكريم (ص) والقرآن العظيم بحق المرأة قد ألغيت تحت عرف عشائري وهذا ما لا يرضي الله ورسوله ولا يتوافق مع احكام وشرائع الدين الاسلامي الحنيف.

اميرة حسن زامل