اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 سبقهم الطاغية صدام بتجفيف الاهوار- قطع المياه.. جريمة انسانية
 رحلة الشاي العراقي من الجايخانة الى البرلمان
 خطوط نقل طلبة الجامعات.. معاناة وهموم وخطط حديثة
 تفوقت على بيروت والطائف والشارقة.. أربيل عاصمة السياحة العربية
 المهرجان الدولي السنوي السادس للزهور كرنفال زراعي للوسائل الحديثة في زراعة الزهور

مقالات من الرئيسية
 سبقهم الطاغية صدام بتجفيف الاهوار- قطع المياه.. جريمة انسانية
 رحلة الشاي العراقي من الجايخانة الى البرلمان
 ستار سعد: صدمت بلقب ذا فويس - احلى صدفة كانت مع شذى حسون
 سفينة سومر تبحر من العراقية
 الفنان والمخرج جمال أمين: أحلامي السينمائية همشت من دعاة المهنية

تحقيق
 
قصور بغداد ومنازل شعرائها..قصر شعشوع.. ذكريات الملوك واسرار الزعماء
قصور بغداد ومنازل شعرائها..قصر شعشوع.. ذكريات الملوك واسرار الزعماء


قصور بغداد.. أو ما تبقى منها على ضفاف نهر دجلة في جانبي الكرخ والرصافة، تعد واحدة من ارث المدينة وحاضرها، وتشكل خزانة لـ(ملف سري) يحكي عن الدولة العراقية ورموزها وأسرارها، فقد شهدت قصور بغداد وغرفها الفارهة وجدرانها العالية، الكثير من تفاصيل الحياة السياسية للدولة العراقية، ودارت في أروقتها أحتفالات وأمسيات ونقاشات ومباحثات وقرارات وتجاذبات وأتفاقيات ومعاهدات بين الأطراف السياسية وأحزابها المتصارعة على دفة الحكم، منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع العقد الثاني من القرن الماضي.. في حين كانت منازل شعراء بغداد، تحف بها أجواء الحزن والأسى، لترثي بقصائدها هموم العراقيين البائسة، وحال أنقلاب الحكومات على الدولة الفتية، التي لم تذق طعم الحداثة الى الآن.
(الشبكة العراقية)، فتحت ملف قصور بغداد ومنازل شعرائها، لتستعيد حيزا من صورة الماضي بكل أحزانه وأفراحه، كانت حاضرة بالأمس القريب.
قصر شعشوع
مازال البغداديون يرددون المثل الشائع، عندما يشرع أحدهم ببناء بيت له، وقد أنهكه وأستغرق وقتا طويلا في بنائه، فيقال له (قابل دتبني قصر شعشوع)..
حقا.. أنه مازال شاخصا الى الآن، فهو قصر (شعشوع) المطل على نهر دجلة في منطقة الكسرة بجانب الرصافة، المشهور بمساحته الكبيرة التي كانت تبلغ4000 متر، وقد أكلت دجلة منها، قرابة1000 متر، جراء الفيضانات التي كانت تجتاح العاصمة بغداد.
ذلك القصر القديم الذي عرف في بنائه ولأول مرة في بغداد، (الطابوق الآجر والسمنت والشيلمان)، حيث كان يستخدم في بناء البيوت، الطابوق المصنوع من الطين أو مايسمونه (اللبن) ويسقف بالصرائف والبواري الخشبية. ورغم شيخوخة القصر، ومضي (105) اعوام، على بنائه في منتصف العقد الأول من القرن الماضي، لكنه مازال شامخا ويافعا بفخامته وروعة غرفه الفارهة، المرتفعة سقوفها، والمحاطة بالشبابيك من كل جوانبها، وبالكوناتها وشرفها، وشناشيلها العلوية المتكئة على الأعمدة الدائرية المنقوش على رأسها، رسوم هندسية متناسقة في التصميم على غرار الطراز البغدادي القديم
صاحب القصر، مازال الى الآن، يبذل جهوداً مضنية، للعناية بحديقتي القصر، الأمامية، والخلفية المطلتين على دجلة، كأنهما لوحتان فنيتان غاية في الروعة، من تناسق ألوان الزهور المحفوفة بأشجار المتسلق والظل النادرة، فيما يقع على الجوار من قصر شعشوع، البلاط الملكي، حيث كان يتخذه الملك فيصل الأول، قصرا للدولة الملكية، وحكومتها ووزرائها وأعيانها، غير أن النظام المباد، عمد الى هدمه، وأتخذ بناية عرفت بـ(نادي القادة) بدلا عنه.

نزلاء القصر
بنى القصر التاجر اليهودي (شاؤول شعشوع)، وسمي القصر نسبة الى مالكه، وكانت مساحة القصر، قبل فيضان دجلة، بنحو أربعة آلاف متر، وبعد أن غرق القصر العام1927 تهدمت الأبنية المطلة على نهر دجلة وأصبحت مساحته ثلاثة آلاف متر. وقد سكنه مالكه (شعشوع) بعد الأنتهاء من بنائه الذي أستمر بنحو عامين، وشغله منذ العام1908 وحتى العام1920 ليتخذه الملك فيصل الاول مسكناً شخصياً له ولعائلته، بعد وصوله الى العراق، وبقي فيه بعد تتويجه ملكا على العراق، حتى تعرض القصر الى الغرق، بسبب تسلل مياه دجلة وعرفت الحادثة بـ(الكسرة) المشهورة في المنطقة المحيطة بالقصر، ثم أتخذ بلاطاً ملكيا الى العام1929 خلال وزارة ناجي السويدي، وبصورة مؤقتة، بعد أن غرق البلاط الملكي المجاور للقصر، ثم أنتقلت اليه (فرحة شعشوع) للسكن فيه العام1931 ثم أشغله الزعيم الوطني، جعفر أبو التمن العام1934، وبقي فيه حتى العام1942 ثم أشغله من بعده النائب صبيح نجيب، للسكن فيه وعائلته حتى العام1945 وجاء من بعده، أبراهيم الجيبة جي، صهر وزير الدفاع شاكر الوادي، ليسكنه وعائلته، وأخيرا أشتراه أحد تجار بغداد ووجهائها، من العوائل البغدادية المعروفة، ويدعى الشيخ أحمد بنية بمبلغ خمسة الاف دينار العام1952 وسكن فيه وعائلته حتى يومنا هذا.

شعشوع وثلاثة قصور
الباحث التراثي والحقوقي عباس بغدادي، كان قد تحدث فيما مضى عن قصور بغداد مبينا: كان البيت الكبير ذو الواجهة الأمامية الفخمة والذي يطل على نهر دجلة مباشرة، يسمى قصرا، أما اذا كان داخل المدينة ومهما بلغت درجة فخامته، فلا يسمى قصرا، انما يطلق عليه لقب (بيت ديارهي) أو مايسمى (بيت تندق له النوبة) أي سلام الأمراء اظهاراً للأحترام، لذلك فأن أكبر وأضخم قصر في بغداد، كان قصر كاظم باشا، الذي أتخذ، مقرا للمندوب السامي البريطاني، أي السفارة البريطانية في محلة الكريمات في الكرخ.
ثم تطرق عباس بغدادي، ليتحدث عن قصر شعشوع، قال: في طريق الأعظمية، لم يكن هناك غير قصر أبن شعشوع، الذي لم يكن قصرا واحدا بل ثلاثة قصور، أتخذ أكبرها بلاطا للملك فيصل الأول، وألحق به الثاني من الجهة الجنوبية في عملية توسيع البلاط، أما الثالث ويقع شمالا، فقد بقي غير ملحق بالبلاط وقد سميت الثلاثة (قصر ابن شعشوع) لانها متجاورة.
ويذكر البغدادي: أن ابن شعشوع، يعد من تجار بغداد الأثرياء، ومن وجهاء الطائفة اليهودية ويملك من الأراضي في الفلوجة وبغداد والكاظمية، ولم يزل بيت حفيده منشي شعشوع، قائما على شارع أبي نواس، بجوار فندق السفراء العائد الى خليل البحراني.

الرصافي وفيصل الأول
كثيرا مارغب الملك فيصل الأول، أن تعود المياه لمجاريها بينه وبين الرصافي لكن شخصية الرصافي المستفزة بقيت على حالها وموقفها، وقد هجا الملك فيصل قائلاً:
أبلاط أم ملاط ؟!
أم مليك بالزعاطيط محاط
كانت علاقة الشاعر معروف الرصافي بالملك قبل تتويجه علاقة صداقة..
يذكر الرصافي في المقابلة التي جرت بينه وبين الملك فيصل الأول في قصر شعشوع انه بعد وصوله إلى الحجرة المقررة للملك (وكان أثاث الغرفة يتالف من منضدة كبيرة خلفها كرسي جالس عليه الملك فيصل وأمام المنضدة كرسي واحد لا غير، فلما دخلت الغرفة بادرني الملك بقوله:
انا الذي أعد أياماً وأقبض راتباً؟
فأجابه الرصافي: أسأل الله ألا يكون كذلك.
وجلس الرصافي على الكرسي دون استئذان.
ثم قال الملك فيصل معاتباً الرصافي: ليش كل هذا العداء يا معروف؟
فأجابه الرصافي: ياصاحب الجلالة لا يوجد ولا شخص واحد في الدنيا يقول أن لي مطمعاً في مقامكم لأجل أن يكون لي عداء معكم لأن الأغراض هي التي تولد العداء، فقال وهذا (بلاط أم ملاط؟)
فأجابه الرصافي: أن هذا لم يكن موجهاً لشخصكم الكريم وإنما لمقامكم والمقصود هو حاشيتكم الذين أساءوا للبلاد.
فقال له الملك: أن إساءة بعض الحاشية لا يبرر هذا القول.
ثم قام الشاعر الرصافي وانصرف مودعاً الملك.

أسرار جعفر أبو التمن
كانت غرفة القصر الكبيرة وبالكونتها المطلة على القصر والملامسة لنهر دجلة، التي أتخذها الملك فيصل دارا لأستراحته، قد أتخذها من بعده جعفر أبو التمن، مكتبة لحفظ كتبه وأرشيفا لحفظ مخطوطاته وأطاريحه وخطاباته السياسية ومذكراته الشخصية، وقد جرفتها مياه الفيضانات الموسمية الكبيرة التي كانت غالبا ماتجتاح، ليس قصر شعشوع وحسب، بل العديد من البيوتات البغدادية المطلة على نهر دجلة، ولم يتبق من أرشيف جعفر أبو التمن، الا النزر القليل، وقد قام أبنه البكر ويدعى عزيز، بتسليمها الى المكتبة الوطنية، قبل أن يتوفاه الأجل. بحسب مابقي على قيد الحياة، من أبناء جعفر أبو التمن، ويدعى عبد الكريم جعفر (82 عاما) وقد تحدث:
كنا نسكن في محلة صبابيغ الآل، في منطقة السويدي، قرب(العبخانة) ثم أتخذ والدي قصر شعشوع، منزلا له، بعد أن أتفق مع أحد من أفراد عائلة شعشوع على أيجاره بمبلغ قدره 150 ديناراً، يدفع سنويا، وتم ذلك في العام1934م.

أجتماعات سرية
 يمضي عبد الكريم بحديثه عن أبرز الأحداث السياسية والأجتماعية التي مر بها والده، وشهدها قصر شعشوع، الذي عاشت فيه عائلة أبو (التمن) لأكثر من (8 سنوات) قال:
- منذ الشهور الأولى التي تحولنا فيها للسكن في قصر شعشوع، وبسبب مساحته الكبيرة وحديقته الأمامية والأخرى الخلفية المطلة على دجلة، صار باب القصر وحديقته الأمامية، مفتوحة لأستقبال كل من له شكوى أو حاجة يقضيها عنده، وصار يتوافد علينا جموع من المحبين والموالين لوالدي من العمال والفلاحين وحشود غفيرة من شيوخ العشائرالعراقية، فيما كان القصر يكتظ في أوقات العصاري، وخصوصا يوم الأربعاء من كل أسبوع، وفي الحديقة الأخرى المطلة على دجلة، لأستقبال العديد من القادة السياسيين والعسكريين المقربين لوالدي وغالبا ما تعقد بينهم أجتماعات علنية وسرية، يتباحثون خلالها، في أبرز المستجدات والأوضاع السياسية للبلاد، ومنهم، كامل الجادرجي، محمد حديد، عبد الفتاح أبراهيم، عادل شريف، ناظم الزهاوي، عبد القادر أسماعيل، وحسين جميل.
يواصل عبد الكريم حديثه: من خلال تلك الأجتماعات في قصر (شعشوع)، ظل والدي جعفر على أتصال بآرائهم وأفكارهم، مثلما بقي متواصلا مع القضايا الأجتماعية والسياسية التي تهم البلد، وعبر عن آرائه علنا فيما يخص الأحداث المهمة وبالذات أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن عام1939م بأن العراق يجب أن يبقى محايدا، وقوبلت آراؤه بالترحاب عموما من قبل المثقفين، وفي مايس عام1941م أصبحت مشكلة أستخدام البريطانيين للأراضي العراقية، بموجب فقرات معاهدة عام1930 موضوع خلاف بين الحكومة البريطانية ووزارة رشيد عالي الكيلاني. والسبب الحقيقي وراء ذلك النزاع بين بريطانيا وحكومة الكيلاني، كان حصيلة الظروف السياسية للحرب العالمية الثانية، وكان الالحاح البريطاني، حول ممارسة الحق في أستخدام الأراضي العراقية، بوجب معاهدة1930 وتعد جزءا من السياسة البريطانية الأجمالية للشرق الأوسط والتي تضمنت حماية مصالحها في الحقول النفطية في أيران والخليج وأستبعاد النفوذ الألماني عنها، وكان في رأي الكيلاني، أنه بأمكان بريطانيا أستخدام الأراضي العراقية لاغراض العبور فقط على أن يكون ترتيب ذلك، تحت سيطرة القطعات العراقية، أما البريطانيون، من الناحية الثانية، قد فسروا المعاهدة على أنها كانت تعني حقهم في أستخدام الأراضي العراقية كقواعد فعلية، وتطور ذلك الجدل الى أزمة في مايس1941 وأدى الى أنشقاق الحكومة العراقية التي يرأسها رشيد عالي الكيلاني، يدعمه بعض ضباط الجيش الكباروفي مقدمتهم العقداء (صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان...) وقد عارضه الوصي، عبد الأله (بعدما توفى الملك غازي العام1939 في حادثة أصطدام بسيارته) ونوري السعيد اللذان أيدا وجهة النظر البريطانية ما أدى الى صدامات مسلحة بين القوات البريطانية والعراقية- يضيف عبد الكريم أبو التمن- وعلى أثرها، أجتمع القادة الوطنيون وقيادات المعارضة، في حشد في بيت والدي، داخل قصر شعشوع (خلال أزمة مايس) حيث حضرها نحو30 شخصا، من الشخصيات البارزة، وقرر المجتمعون، مساندة رشيد عالي الكيلاني في موقفه، وعهدوا الى والدي جعفر، مهمة اللقاء برئيس الوزراء، لتهنئته ولتبليغه بمساندتهم له، فرفض والدي الذهاب معهم، وذهب وحده في وقت لاحق الى بيت الكيلاني.

وفاة ابو التمن.. مرض ام أغتيال؟
ويعلق عبد الكريم ابو التمن عما آل اليه مصير والده قائلا: أنتقل جعفر أبو التمن من قصر شعشوع 1942، بعدما شهدت السياسة الكثير من التحولات خلال سنوات مسكنه في قصر شعشوع ليتحول الى منزل في الكرادة، وبعد ثلاث سنوات، رقد في الفراش لأكثر من شهر، نتيجة
أصابته بمرض التهاب في دماغه وجاء لزيارته الكثير من أصدقائه من القادة السياسيين، وتابع حالته الصحية، العديد من الاطباء العراقيين، ومنهم مهدي فوزي وقدم له العلاج اللازم وفي آخر زيارة له وقبل وفاته بأيام معدودة كانت من قبل طبيب البلاط الملكي الطبيب البريطاني سندرسن وكتب الطبيب البريطاني له في وصفته العلاجية التي كانت تحتوي على حزمة أو (كورس من الابر) وتم زرقها له في اوقات منتظمة أستمرت نحو 10 ايام ثم فارق الحياة.

باسم غفوري