هل حقاً.. لسان المرأة طويل؟

145

كتابة: حسن العاني – رسوم: خضير الحميري /

في حقبة زمنية ضئيلة من عمر البشرية، لا تزيد على مئتي سنة، شهد العالم تطورات مذهلة، سواء على صعيد الاكتشافات والمبتكرات والاختراعات، أم على صعيد المفاهيم والآيديولوجيات والنظريات الثقافية. وزيادة على ذلك فقد تميّزت هذه الحقبة بسرعة غير مسبوقة في تلاحق عطاءاتها الحضارية والعلمية، ربما كان أبرزها أو أهمها على وجه الدقة، هو انتقال المرأة من أكثر المراكز تخلفاً واهمالاً ونسياناً إلى المراكز الأولى اجتماعياً وعقلياً وبايولوجياً، الى الحد الذي جعل البعض لا يتردد مثلاً في وصف القرن العشرين بأنه عصر المرأة بامتياز، ناسياً منزلة الروبوت ومركبات الفضاء والجينات الوراثية والاستنساخ البشري والإنترنت.
هذه السيادة النسوية (الحديثة) تعود بالرجال –مع شيء من الحسرة- الى الاستقواء بالتاريخ والأمجاد يوم كان اليونانيون يعدون الرجل مقياساً لقضايا الأرض مجتمعة، أما المرأة فهي (نوع من الرجال) قادر على (الإنجاب)، وعند الإغريق كان الرجل رمز الجمال والقوة، في حين كان قدامى المصريين يرمون فتياتهم (حصرياً) في النيل خوفاً وطمعاً، أما وأد البنات، وليس الأولاد، فهو من أعراف (بعض) القبائل في عصر ما قبل الإسلام مثلما كان عادة مارستها العديد من الشعوب، فما الذي جرى حتى تصبح المرأة رمز الجمال والقوة والسلطة، وعنوان الذكاء والإبداع، ويرتفع شعار (السيدات أولاً)، ولا تبقى للرجل إلا الذكريات والوقوف على الأطلال؟!

حقائق أولية
منجزات القرن العشرين صعوداً هي التي قلبت الموازين، فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن المرأة من الناحية الفيزيائية تأتي بعد الرجل من حيث الإصابة بالشيخوخة لتمتعها بقوة مقاومة ورغبة في البقاء تفوق تلك التي يتمتع بها الرجل ثلاث مرات، وقد أسهمت المبتكرات الطبية في الإبقاء على النساء بمعدل عمر (6-7) سنوات أكثر من عمر الرجل، وهذا المعدل آخذ بالازدياد!
القرن العشرون والسنوات التي أعقبته… صفعات متعاقبة توجهها الاكتشافات والمباحث العلمية الى عالم الرجل بما يشبه الانتقام، ففي الميدان الطبي نقرأ الخبر التالي: (مخ المرأة يتمتع بمهارات خاصة لا توجد في مخ الرجل، ومنها الحاسة السادسة)… ثمة دراسة أجريتْ على (200) مومياء بشرية أكدت (أن معدل الأعمار بصورة مطلقة لصالح النساء)… زاد الطين بلّة أن مجموعة من علماء النفس والطب الجسماني والتشريحي توصلوا إلى رأي مفاده (أن المرأة تتفوق على الرجل في قوة الذاكرة وحدة السمع والبصرة والمهارات الشفهية ودقة الملاحقة، وأنها أبطأ من الرجل في الحب وأسرع منه في النسيان، كما أنها أقل عرضة منه لأمراض القلب والشرايين وضغط الدم… ثم إنها أقوى منه جسمانياً وطاقة على التحمل بدليل قدراتها الاستثنائية الهائلة على الحمل والولادة والإنجاب). وكلام كثير لم أشأ الإشارة إليه حتى لا أخدش ما تبقى للرجل من سلطة وهيبة وقوة مزعومة. ومع ذلك كله، لا يمكن أن نتجاوز هذا الخبر (العلمي) الرقمي المثير للجدل بسبب ظرافته، فقد توصل العلماء الى (حقيقة) تشير إلى أن (لسان المرأة) أطول من لسان الرجل بما يقرب من (10-15) ملمتراً!!

حوار صاخب
كان من الطبيعي أن تثير مثل هذه (الأخبار) عاصفة من (الجدل) بين أوساط الرجال، فمن معترض بشدة الى راضٍ على مضض، ومن ساخر الى موافق لو صحّتِ المعلومات.. وهكذا يرى الدكتور قاسم محمود أن ما يقرّه العلم هو من الحقائق التي يجب القبول بها، لكن المشكلة أن الحقائق العلمية نفسها ليست ثابتة، والشواهد بالمئات، وعليه فإن (أفضلية) المرأة في هذا الجانب أو ذاك (إذا صحّت) تقتضي أن لا تزعج الرجل، فهو يمتلك بالضرورة أفضلياته التي يفترض أن لا تثير غضب النساء.. ومع ذلك، والكلام مازال للدكتور محمود، فأنا مقتنع بأن في تكوينة المرأة البايولوجية نقاط قوة تتفوق فيها على الرجل، لكنني في حدود المتوفر لدي من معلومات أعترض على الرأي الذي (يجيّر) كل شيء لصالح النساء. وفيما يتساءل المحامي محمد عبد الكريم عن صحة تلك المعلومات أو الأخبار ومدى علميتها، يعلق الزميل جواد الحطاب على خبر لسان المرأة قائلاً: أشهد بأن الرجل يعيش عمراً أقصر بسبب لسان المرأة الطويل!! وبتعصب رجالي واضح يرى السيد عبد المجيد الدراجي (بكالوريوس لغات) أن الحديث عن تفوق المرأة نوع من الآثار الخبرية وأنا شخصياً على قناعة تامة بأن الرجل أفضل من المرأة بنسبة 90%، والدليل أنه يتفوق عليها حتى في مجالات تخصصها، بدليل أن أمهر الطباخين والخياطين ومصممي الأزياء النسوية وحلاقي النساء وصاغة الحلي النسوية هم من الرجال!! أما السيد جاسم عبد الستار (ماجستير علوم شريعة) فيقول: إن الله حكيم في خلقه ومن آيات حكمته (الموازنة)، ولما كان الرجل والمرأة هما وراء ديمومة البشرية، فقد أودع في تكوينهما الجسدي والنفسي عناصر قوة وضعف وسلب وإيجاب بصورة محسوبة لكي تكمل أو تنهض قوة الرجل بضعف المرأة في هذا الجانب، وتنهض قوة المرأة بضعف الرجل في ذاك الجانب، إن بناءهما مُعدّ لتحقيق الموازنة الإنسانية البسيطة ضمن الموازنة الكونية الأعظم.. المعلم خالد عبد الجبال يقول: رضينا (بسالفة) المساواة والحقوق والواجبات، لكننا لن نتساهل في موضوع الأفضلية!
في المؤتمر الطبي الذي عقد في جنيف أواخر القرن الماضي، تمت الإشارة إلى أن الرجال بخلاف النساء لا تحتفظ أجسامهم بكميات كبيرة من هرمون (الأستروجين) الذي يخفف من شدة التوتر ويجعل القلب والدماغ والعظام تؤدي وظائفها بصورة جيدة.. بعض العلماء أشاروا إلى الدور الصحي الكبير للدورة الشهرية التي تضمن للمرأة حياة صحية أفضل، وعلماء آخرون تنبهوا إلى سوء رعاية الرجل صحياً، إذ ليس هناك (طب رجالي) كما هو الحال مع طب النساء ومباحثه وتطوراته، وأحاديث كثيرة عن الضغوط النفسية المتعبة التي يتعرض لها الرجال نتيجة مسؤولياتهم في العمل والأسرة.. وفي العودة من جديد إلى الإحصائيات الرقمية نتفق على أن معدل وفيات الرجال بالسكتة القلبية في سن (40-50) أكثر من النساء، أما بعد سن (75) سنة فإن نسبة الوفيات تصبح بين النساء أكثر مما هي عند الرجال، وهذا يعني أن الرجال يموتون في عمر الشباب، أما النساء فالأمر واضح بدون حسد! الأمر لا يخدم العلاقات الأسرية، كما أن هذه (الإعلانات) التي تحاول إضفاء صفة العلمية على نفسها ليست صحيحة مئة بالمئة. ولم تخرج الدكتورة فريال الموسوي عن هذا الطرح، مؤكدة على أن لكل (أفضلية) –مع التحفظ على هذه المفردة- شيئاً يقابلها عند الطرف المقابل، ناهيك عن كون الأفضلية في حقيقتها ليست امتيازاً، بل وظيفة تؤدي خدمات محددة، فالرجل مثلاً يتمتع بقوة نشاط تمتد إلى سن متأخرة، وهو حين يقدر على مواصلة بعض القدرات الى مدة أبعد من المرأة خاصة في مجال القدرة الإخصابية، فإن المرأة تعوض عن ذلك باستعادة نشاطها الجسدي بعد توقفها ما بين 45-50 سنة. إذن هي وظائف وليست امتيازات، ومن هنا فالرجل الذي ينعم بنشاط إخصابي قد يستمر إلى عمر الثمانين إلا أنه أكثر عرضة لأمراض الشيخوخة من المرأة.
روح الدعابة طغت على رأي الدكتورة إيمان عبد الرحمن وهي تعبر عن سعادتها لإنصاف المرأة ومنحها الأفضلية لما نسمعه أو نقرأه من (ترويجات) إعلامية، ولكن أخشى لو روّجت المرأة لمثل هذه الآراء أن يشمِّر الرجل عن ذراعيه و(يُنبّش) في الصغيرة والكبيرة عن عناصر خفية في قوته وعناصر خفية في ضعفنا وعندها تكون مصيبة النساء مضاعفة.. على أية حال لا أجد مسوغاً للمقارنات والأفضليات لأن المفهوم الشامل لبناء الإنسان لا يخضع لقياسات المسطرة، فهناك عوامل اجتماعية وبيئية واقتصادية ومناخية، وهناك تكوينات بايولوجية وعوامل نفسية وتربوية وثقافية.. جميعها وطيدة الصلة بالتكوين الجسماني والعقلي.. وشهد شاهد من أهلها.. ذلك تحديداً ما يصح على “الحاجة خيرية فرحان” التي قالت: لا صايرة ولا دايرة بيوم من الأيام، النسوان يصيرن أحسن من الزلم!!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.