العباءة العراقية.. ليلٌ كلاسيكي يحتضن الجمال

369
ذوالفقار يوسف /
قيل إنه في احدى الليالي وكِّلَ أحد الملائكة الشعراء، وفق نوايا إلهية، أن ينغمر في أعماق صلاة غامضة، ويرسم أبياته بأنامل العشق الخالدة، مستعيناً بحبر الروح، يخيل لناظره لأول وهلة كأنه بخور متناثر في ليلة قداس قد امتزج بثقب سماوي أسود.
 ولم يجد هذا الملاك شيئاً ليخط عليه قصيدته الأنيقة فاستعان بردائه الأبيض، ليغزو كل جزء منه محولاً إياه إلى أجنحة سوداء كانت مهمتها الأولى أن تصفّق للحب والجمال حتى لاحت له امرأة سومرية اللون، تحتمي بأوراق الأشجار، فقرر اكساءها بهذه الأجنحة السوداء التي سميت بعد ذلك: “العباءة”.
التراكمات الثقافية تمثل عنصراً مهماً في جميع حضارات الارض، كموروثات اجتماعية ارتبطت بحياتنا بشكل مستمر، رغم التطور الحاصل فيها، إلاّ أنها ما زالت تعبق برائحة التراث الكلاسيكي المتمثل بانتماءات الشعوب المتعاقبة، ومن أمثال هذه التراكمات الثقافية هي العباءة العراقية.
وجاهة ورفعة
عُرفت النساء العراقيات بلبسهن العباءة كرداء للوقار والحشمة، وككساء يرافق المراة العراقية في كل زمان ومكان، فقد تراه في الأسواق وفي المدارس، وأحياناً في دوائر الدولة، بل وحتى تحت قبة البرلمان. إلا أن السؤال المهم الذي يطرح نفسه دائماً هو: كيف ولماذا ابتُكِرَ هذا الرداء الكلاسيكي؟ فالعديد من الأقمشة، وبكافة الأشكال والأنواع، وطرق ارتداء النساء لها تعتبر أساليب أخرى في إكساء أجسادهن. والحشمة التي تمثلت بواسطة العباءة قد تحصل عند ارتداء قماش آخر بطريقة أخرى.
قيل إن تاريخ العباءة يعود إلى عصر الرسول محمد (ص)، وارتداء العباءة آنذاك كان ينحصر بالطبقة الغنية، المترفة، ذات الوجاهة الكبيرة عند العرب. إلا أن بعض الجواري لبسن الرديء منها والممزق.
 موديلات وأساليب
للعباءة في العراق “موديلات” كثيرة، منها ما يغطي الرأس حتى القدمين، وأخرى تلبس على الكتف، والأخرى ذات أكمام. والعديد من النساء وخصوصا كبيرات السن يعتبرن العباءة جزءاً مكملاً لشخصيتهن، لما تمنحهن من وجاهة ورفعة، وعلى وجه الخصوص في المناطق الجنوبية والريفية من البلد، بسبب البيئة التي تعتبر منطقة ذات طابع عشائري.
شهدت السنوات السابقة العديد من التغيرات، وخصوصاً في مجال الازياء وتطور الموديلات، وقد لمست هذه التغيرات العباءة العراقية التي تغيرت من شكل إلى آخر، ومن لون إلى مجموعة ألوان منها الأحمر والأصفر وغيرها من الألوان المختلفة، وحسب رغبة المراة التي ترتديها. إلا أن اللون الأسود يعتبر اللون السائد للعباءة لما يمثله من وقار وعنوان للهيبة، وأحياناً للحزن والمأساة.
يتم لبس العباءة السوداء، بوجه الخصوص، بطرق وأشكال مختلفة، حسب حالة مرتديها. فمنهن من تلفها على خصرها عند حضورها العزاء، وأخرى تلوّح بها عند الرقص في المناسبات المفرحة. أما من ناحية أخرى فقد يغطى بها تابوت الميت للدلالة على أن المتوفى امرأة.
سواد هولاكو
تفننت بعض الشخصيات الدموية في هدم الحضارات وتراث الأوطان بعدة طرق، حتى وأن كانت بشكل غير متعمد، ومن أمثال هذه الشخصيات: هولاكو، الذي دمر بغداد في عهد الخليفة العباسي المستعصم بالله. وقد قيل حسب مصادر تاريخية بأن للعباءة حصة من هذا الدمار، إذ لم تقتصر العباءة آنذاك على اللون الأسود، بل على العكس تماماً، إذ كان اللون السائد في تلك الحقبة هو اللون الأبيض، وبعده تأتي الألوان الأخرى. إلا أن سقوط بغداد على يد المغول جعل من النساء يرتدين هذا اللون فقط لما يمثله من تعبير عن المأساة التي حلت ببلدهن على يد الاستعمار الهمجي.
سنّ الفأر وشدّة الورد
تختلف العباءة العراقية عنها في باقي البلدان، فهنالك العباءات المصرية التي تعرف باسم “المَلاّية”، وهي في العموم قصيرة وتختلف في طريقة ارتدائها عن طريقة ارتداء العباءة العراقية، إذ تُلبس على الكتفين ولا تغطي الرأس، فتظهر ساقا المرأة منها. أما الخليجية، فقد تُلبس كما يُلبس الثوب الاعتيادي لأنها تحتوي على إزار وتطريزات مميزة وبقطعة واحدة تسمى “الإسلامية”. وهنالك أيضاً “الشادور” الإيراني، الذي يكون خالياً من الأكمام الطويلة وعريضاً ويُلبس كقطعة واحدة أيضاً. كذلك هناك العباءة السورية المسماة “المبرد”. كما أن بعض الدول الأوربية لها حصتها من العباءاتـ، كالعباءة اليابانية “التترون”، والفرنسية والكورية والصينية، ولكل نوع حسب تقاليده وبيئته التي ينحدر منها.
واختلفت العباءة العراقية عن باقي العباءات، فقد كانت تسمى “الجزية”، وأحياناً “المبرد”، حيث كان يصاحبها غطاء الرأس “البوشية” أو “الشيلة”، بالرغم من أن المادة المصنوعة هي نفسها التي صنعت منها باقي العباءات.
“ذبي العباية” والزهاوي
يتم شراء العباءة في وقتنا الحاضر من المحافظات الجنوبية كالبصرة وميسان، حيث يتم استيراد الأقمشة من الخليج إلى داخل البلد، وتكون أغلب المحال التي تمتهن بيع العباءة قريبة من الأضرحة والأماكن المقدسة، لأنها واجبة اللبس في تلك الأماكن، كمدينة الكاظمية ومحافظتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة. أما بعض النساء والفتيات فيرتدينها بعد أن تزيَّن بخيوط ذهبية وتطريزات أضحت بسببها نوعاً من الموضة.
الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي (1863 ـ 1936) جاء بما لم يخدم تجارة العباءة وصانعيها، إذ كان يدعو إلى حقوق المرأة وسفورها وإظهار جمالها، وإلى ألا تجعل من العباءة كساء يغطي جمالها الطبيعي الذي منحها الله لها، حيث قال في قصيدة له داعياً للسفور:
زعموا أن في السفور انثلاماً كذبوا، فالسفور طهرٌ سليمُ
لا يقي عفّة الفتاة حِجابٌ
بل يقيها تثقيفُها والعلومُ
أما الأغاني فقد كانت لها حصتها من العباءة العراقية، إذ تغنى بها العديد من الفنانين، أمثال حضيري أبو عزيز، الذي غنى “ذبي العباية”، كما أن هناك أغاني أخرى من الموروث العراقي تمتدح وتتغزل بالعباءة العراقية كأغنية “يا أم العباية، حلوة عباتك”، التي غناها يوسف عمر.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.