المسرح الشعبي المعنى والتأويل

147

محسن ابراهيم /

الخطاب المسرحي الذي يتسم بالوعي ويعبِّر عن واقع مجتمعي معيش في خضم كل المتغيرات، اقتصادية كانت أم سياسية أم اجتماعية، يتشكل وفق منظور خصائص المسرح الجمالية والتعبيرية، بعيداً عن ماهيّة اللغة التي يقدم من خلالها الخطاب, وأي نص مسرحي يخضع لرؤى الجمال والتكامل لايتم إلا من خلال الفهم والغوص في بواطن ذلك النص,فكل نص هو نتاج واقع اجتماعي او قصص ترسخت في الذاكرة الشعبية يعيد تشخيصها على خشبة المسرح نصٌّ مسرحي واع ورؤية إخراجية تستنطق ذلك النص عبر وسائل جمالية وفنية.
ومنذ عقود كانت للمسرح الشعبي العراقي بصمة واضحة وبارزة في الحركة الفنية العراقية, ومنذ انطلاق الفرق المسرحية في ستينات القرن الماضي التي كان نجومها هم نخبة الفن العراقي, استقطبت تلك الفرق جمهورها من مختلف الشرائح والاتجاهات, بما قدمته من عروض مسرحية سبرت أغوار المجتمع العراقي وارتقت بذائقة المشاهد وحسِّه الفني, فكانت دليلاً حياً على رصانة مايقدم.
العروض التي قدمتها فرق مسرحية معروفة منها “فرقة المسرح الفني الحديث” و”فرقة المسرح الشعبي” كـ(الطوفان، والدبخانة، والبيك والسايق، والقربان، والنخلة والجيران، والبستوكة، والشريعة)، كانت عروضاً ذات دلالات فكرية واجتماعية, ساعدت على بروز أسماء لامعة في تلك الفترة منهم يوسف العاني وطه سالم وغيرهم، فضلاً عن أن من أخرج هذه الأعمال هم نخبة المسرح العراقي: ابراهيم جلال وبدري حسون فريد وقاسم محمد وجاسم العبودي وجعفر السعدي. وصولاً الى مرحة الثمانينات التي لم تقلّ أهمية عن سابقتها، فشهدت تلك الفترة عروض مسرحيات (حايط نصيص، وبيت وخمس بيبان، والمحطة، وأطراف المدينة، وحوته يامحنوته، ونديمكم هذا المساء، والشريعة، وخيط البريسم، وجذور الحب، وترنيمة الكرسي الهزاز، والرجل الطيب.)
إشكالية اللهجة
لم تكن اللهجة عائقاً أمام تقديم فكرة معينة، وربما تكون لهجة ما هي الأقرب لإيصال الفكرة, بل كان الهدف هو تهذيب الذائقة الفنية ونشر الفكر وأن تعبّر عن مكنونات ومشكلات المجتمع بغض النظر عن ماهيّة اللهجة.
هذا ماذهب اليه المسرحي الكبير سامي عبد الحميد إذ يقول: “ليست اللهجة هي التي تحدد صفة المسرحية فيما إذا كانت شعبية أم غير شعبية، جماهيرية أم غير جماهيرية، نعم، المسرح الشعبي هو ذلك الذي يتوجه الى أوسع الجماهير ولكن بأية مضامين وبأية أشكال، مصطلحات مثل (المسرح الشعبي) او (المسرح الجماهيري) وهما من الصفات التي يطلقونها لوصفهم المسرحيات التي تقدم باللغة العامية او باللهجة الدارجة والتي تعتمد على المواقف المضحكة والأوضاع الهزلية وفقرات الرقص والغناء مما يجتذب أعداداً غفيرة من المتفرجين الذين لايجدون مجالاً للتسلية غير مشاهدة مثل تلك المسرحيات.” ويبين عبد الحميد “أن الأمر يحدث من غير أن يدرك الكثير أن مسرحية مثل (المتنبي) لعادل كاظم وإخراج ابراهيم جلال وهي مكتوبة بالشعر العمودي وبالنثر البلاغي، هي مسرحية شعبية او مسرحية تراثية مثل (بغداد الأزل بين الجد والهزل) لقاسم محمد هي الأخرى مسرحية شعبية، وهناك أمثلة أخرى كثيرة للمسرحيات التي شاهدها جمهور المسرح العراقي وكتبت باللغة الفصحى وموضوعاتها جدّية هي الأخرى شعبية.”
مفهوم خاطئ
المسرح الشعبي هو المسرح الذي يخاطب ويناقش الحالات الاجتماعية والإنسانية، وليست للّغة واللهجة علاقة بهذه التسمية، فالبعض يعتقد أن المسرحية الشعبية هي التي تتحدث باللهجة الشعبية، وهذا قطعاً مفهوم خاطئ، هذا ما أوضحه المخرج المسرحي حسين علي صالح إذ يقول إن “من الممكن أن تقدم مسرحية باللغة العربية الفصحى وتسمى مسرحية شعبية، والفرق بين المسرح التجاري كما هو شائع (الجماهيري) والمسرح الشعبي هو أن المسرح التجاري مسرح ربحي، أي أن الغاية منه تحقيق مردودات مادية كبيرة، وهذا يحتّم على المستثمرين فيه استقطاب نجوم معروفين يطلق عليهم نجوم شبّاك، وهؤلاء دائماً يطلبون مبالغ عالية لأنهم يحققون المكاسب المادية لهؤلاء المستثمرين، فإذا كان الهدف هنا هو تحقيق المكاسب المادية أكثر من أن يكون منجزاً إبداعياً الغاية منه تقديم قيم جمالية وفكرية.” ويرى صالح أن المسرح الشعبي، على العكس تماماً مما ذكر، فهذا المسرح لايعتمد المكاسب المادية هدفاً أساسياً، ولاحتى يعتمد على نجوم شبّاك، وتدخل فيه تفاصيل عديدة لها علاقة بالمكوِّن الجمالي والفكري، وهذا النوع من المسرح يكون رواده من النخبة اكثر مما يكون من الجمهور البسيط الذي نراه يرتاد المسرحية الجماهيرية (التجارية). ويبين صالح أن المسرح الشعبي موجود ولم ينحسر، ومبدعو هذا المسرح يقدمون نتاجاتهم الإبداعية رغم قلّة القاعات التي تقدم فيها العروض المسرحية والدعم الانتاجي البسيط.
خلاصة القول
أوضح صالح أن النص المكتوب، الذي يقدم على خشبة المسرح، هو عبارة عن حكاية تسبر أغوار الواقع وتحاك في قالب مسرحي، ويؤديها ممثلون أمام جمهور باستخدام عناصر العرض المسرحي, ومن أجل إعادة بناء المسرح الشعبي، علينا أولاً تشخيص معنى التهريج والإسفاف، والنهل من موروثنا الاجتماعي والشعبي لتقديم أعمال مسرحية ترتقي بذائقة المشاهد, قد تختلف الآراء من ناقد لآخر، ومن متابع لآخر، وما يسميه ناقد معين بأنه تهريج ليس بالضرورة أن يتفق معه ناقد آخر في ذلك، وهذا الصراع هو سر ديمومة المسرح. والمسرح الكوميدي الذي تُطلق عليه جزافاً تسمية المسرح الشعبي الذي يقدم إسفافاً وتهريجاً سيرفضه الجمهور، وبالتالي فهو زائل، فالجمهور هو الذي يشجع على تقديم المسرح الجيد، ولنعِد المعنى الحقيقي للمسرح الشعبي بعيداً عن التأويل والتلاعب بالمسميات.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.