أطباقٌ فرنسية بنكهات عراقية

147

ذو الفقار يوسف /

دخولك الى الجامعة المستنصرية، وبالتحديد حديقة قسم اللغات، يعني الشعور بالحياة الباريسية وأجواء مدينة النور، فالجميع هناك يحمل أطباقاً مزّينة وغريبة على المائدة العراقية يصاحبها صوت امرأة فرنسية تتلاعب بالنغمات فتجبرك على الإصغاء من خلال مسجّل الصوت، ولوحات لمعالم باريسية قد زينّت جدران الحديقة. مجلة “الشبكة العراقية” كانت حاضرة وسط تلك الأجواء.
فقد أقامت الجامعة المستنصرية، كلية الآداب، مهرجاناً سنوياً على حدائق قسم اللغات، استنبطت فكرته من المهرجان الفرنسي للتذوق، الذي يقام في العاصمة باريس، إذ تقوم مجموعة من أساتذة وطلبة القسم الفرنسي في الجامعة بعمل أطباق فرنسية، وتهيئة البيئة الباريسية التي يعيشها كل من يدخل هذا المهرجان السنوي.
دروسٌ في الطبخ
يضم منهاج طلبة أقسام اللغة الفرنسية في الجامعة دروساً في الطبخ وطريقة التقديم، واستخدام مصطلحات اللغة في التجوال والشراء والجلوس في المطاعم، وطلب الطعام بصورة مهذبة وصحيحة، لهذا أجمع أساتذة القسم على إقامة هذا المهرجان لكي يعيش الطالب حياة مجتمع اللغة التي يدرسها داخل أقسام الجامعة، وهذا مايبّسط المادة عليه. رئيسة قسم اللغة الفرنسية، الدكتورة عواطف نصيف، بينت لمجلة الشبكة: “يقام مهرجان التذوق السنوي، الذي يدخل عامه الرابع، لعدة أسباب منها أن أغلب الطلبة يواجهون صعوبة في تقبّل اللغة في العام الأول من الدراسة، وهذا ما أصاب بعضهم بالإحباط والندم على دخولهم هذا الاختصاص، أما الأسباب الأخرى فمنها انعدام السفرات الجامعية والكبت النفسي الذي يجعل المادة صعبة بالنسبة لهم، حيث كانت في بادئ الامر مجرد جلسة احتفال بالربيع، إلا أن الفكرة تطورت عندما اقترحنا ذلك عليهم كأساتذة عشنا فعاليات هذا المهرجان في العاصمة باريس، وقد لاقى هذا المقترح إقبالاً من الطلبة.”أردفت الدكتورة عواطف: “بعد ذلك تم تعليمهم الوصفات التي يتكون منها الطبق الفرنسي، وطريقة تقديمه وشرح مكوناته باللغة الفرنسية، وطرق إعداد أجزاء الوجبات كالطبق الرئيس والمقبّلات وأطباق التحلية، ولأن هدفنا تعليمي ألزمنا الطلبة بالتحدث باللغة الفرنسية فقط أثناء طلب الطعام وتقديمه من قبل زملائهم، وما رأيناه خلال السنوات الأربع للمهرجان من إقبال واسع من الطلبة والاستفادة من هذه الفعالية، بتعلمهم العديد من المفردات والجمل وطرق تعاملهم مع الشعب الفرنسي اذا ما تسنى لهم السفر.”
فرنسا والحشد الشعبي
الدكتور خالد صادق، أستاذ تدريسي في قسم اللغة الفرنسية، أوضح “أن عمل الأطباق يتم بواسطة الطلبة أنفسهم، ومن ثم يجري بيعها على زملائهم وأساتذتهم مقابل مبالغ مالية، ما ينمي الكثير من أواصر التعاون والمحبة بينهم”، مضيفاً “أن هذه هي السنة الرابعة لنا في إقامة مهرجان التذوق السنوي، وقد كانت أرباح السنة الاولى من مبالغ بيع الأطباق من نصيب الحشد الشعبي، فقد اقترح الطلبة في تلك السنة وقوفهم مع الحشد الشعبي لمواجهته ارهاب داعش، وهذا أبسط مايمكننا تقديمه لهؤلاء الأبطال الذين ضحوا بالغالي والنفيس.” ويرى صادق “أن هذا المهرجان هو مكمل لفعاليات ثقافية نقيمها في موسم الربيع، فهناك اليوم العالمي للناطقين باللغة الفرنسية وبالتحديد يوم 20/3 من كل عام، إذ تقدم في هذا اليوم فعاليات ثقافية، يقوم خلالها الطلاب بتقديم مسرحيات وأغانٍ فرنسية، وكل هذا يتم تعليمه من خلال الكتب الجامعية والمراجع، اضافة الى أن هذه الفعاليات تعتبر تعليمية تعارفية تعاونية، كون اللغة ليست فقط في ما نقرأه في الكتب، بل إنها يجب أن تعاش لكي تصل الى الطلبة بأبسط صورة، وبهذا نقوم باستغلال هذا اليوم لإقامة المهرجان بموافقة عمادة الجامعة كنوع من المهرجانات التعليمية النافعة للطلبة في مشوارهم الدراسي، ولأن أغلب الطلبة والأساتذة تكون إمكانياتهم محدودة، غير أن العديد من الشركات تدعم المهرجان، حيث تقوم بتزويدنا بالمقاعد والمظلات وصولاً الى الأطباق التي نقدم فيها الطعام.”
ثقافات أخرى
الأستاذة إيلاف حسين أشارت الى أن “هدف هذه الفعالية هو التعريف بأن اللغة هي الوسيلة الأولى والمهمة في التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى، إذ يعبّر الإنسان فيها عمّا يجول في خاطره من أفكار، ولكونها الناطق الحقيقي للثقافة التي يمكنه من خلالها التعرف على الآخرين بصورة أسهل”، وتؤكد “أن إقامة المهرجان تهدف الى التعرف على الثقافات الأخرى، لهذا عندما نتعلم لغة لا نتعلم فقط القواعد والمفردات والمصطلحات، بل نتعلم أيضاً أسلوب وثقافة شعب، ولكون المطبخ الفرنسي له الصدارة بين المطابخ العالمية، لذلك تجدهم يختلفون في طريقة تقديمهم وتذوقهم الأطباق، لهذا نقوم بجعل الطلبة يصنعون أطباقاً فرنسية خالصة، ومن خلال عرضها على الموائد يقوم كل طالب بعرض اسم الطبق باللغتين العربية والفرنسية، لهذا فإن الغاية من المهرجان هي دمج اللغة الفرنسية بحياة الطلاب اليومية، ولأن اللغة العالمية المتداولة هي اللغة الإنكليزية، وهذا ما يجلعنا نطمح لكسر الحاجز بينهم وبينها، حتى يتم تحبيبهم باللغة التي هي محور دراستهم بطريقة أسهل وأفضل.”
“كسر الروتين”
هذا أول ما ابتدأ به الطالب علي أديب، قسم اللغة الفرنسية، إذ بيّن للمجلة: “نقيم هذا المهرجان حتى نتنفس اللغة ونتعلمها بطريقة أبسط وأسهل بعيداً عن الروتين الممل، وهذا يعتبر استراحة لنا لمدة يوم واحد في كل سنة، لهذا قمنا بعمل لوحات للمعالم الفرنسية وبث العديد من الأغاني الرومانسية الناطقة باللغة، حتى أننا قمنا بعمل كعكة على شكل برج إيفل، ما جعل المكان شبيهاً بباريس مصغرة في هذا الطقس الجميل.” تضيف الطالبة زينب محيي بسعادة قائلة: “نحن ننتظر هذا المهرجان بفارغ الصبر، لأن أغلبنا يريد أن يظهر للأساتذة وباقي الطلبة إتقانه لطبخ الأطباق الفرنسية، إضافة الى تعلم اللغة وعيش حياة باريسية مع الأصدقاء، بعيداً عن الامتحانات وواجبات الدراسة، وأنا كطالبة أدعو جميع الجامعات لعمل مهرجانات كهذه وفعاليات كطرق للتعليم وإضفاء روح التعاون والتعارف والتحفيز.”

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.