الفاجعة

239

رجاء خضير /

علام الغياب وانت تسكن ثنايا الروح وبك ينبض القلب الذي انكر العقل ما به من لهفة وحب لطارق غريب, لينبت جذوراً فيّ, لم اعرف يومها أنه هو الذي سيقتلها وأنا أتممتُ ما بدأ به… تعال نتحاسب ونفكر بصمت الحروف والكلمات الخرساء, الجوفاء, ولنتقابل منْ هو أعدل وأحكم منا.. ولنذهب معاً الى هناك حيث العقاب لكلينا, ولترفرف غصوننا الثلاثة بعيداً عنا، بعيداً عنا…

تزوجتهُ بعد حب جارف رغم اعتراض أهلها على هذه الزيجة, وبأنه انسان غير كفء لها, لكنها اعلنت رغبتها بالزواج منه وبالتالي اقنعت والدتها التي بدورها اقنعت والدها بالأمر, ثم بينت له أنهن ثماني بنات،علينا ان لا نعترض لأسباب تافهِة والاسيبقين أمامنا جميعهن…
اجابها الوالد: اذا كانت الأسباب جذرية لرفضهِ ماذا نفعل في هذه الحالة؟
لم تجب بل استمرت باقناعهِ، وجاء اليوم الذي اخبرتها أمها بموافقة والدها على الزواج بمن ترغب وطلبت منها اخباره لكي يأتي أهله ويطلبوها رسمياً من والدها!!
طارت بالخبر السعيد وذهبت للقائه واخباره بما حصل في بيتهم وموافقة اهلها.
وفي المساء حضر أهله, لم يبدُ عليهم الفرح والسرور لخطبة ابنهم, والأمر نفسه لأهلها حينما شاهدوا أهله الذين ليس بمستواهم في كل شيء ولكنهم تناسوا هذا الفرق أمام فرحة ابنتهم. سارت الاستعدادات ليوم الزفاف بسرعة وتم هذا بمساعدة ومعونة أهلها, لأنه لا يملك ما يظهرها أمام المدعوين بمستوى أهلها, وكان والدها يتمتم مع نفسهِ: ماذا قدم هو وأهله لكِ يا ابنتي! كي تعشقيه هكذا؟
تم الزواج بالصورة التي يرغبها أهلها بدون اي نقص وسافرا شهر العسل الى احدى الدول كهدية من والدتها.
عادا وهما فرحين سعيدين في بيت أهله, ولكنها لم تستطع الاستمرار معهم لأنهم يختلفون تماماً عن معيشتها في بيت اهلها, لذا شرحت لوالدتها كل معاناتها معهم التي وعدتها بدورها أن تقنع والدها أن يسمح لها أن تسكن احد البيوت التي يملكها.
ومرة ثانية اقتنع والدها مكرهاً على طلبهما واستقلت في البيت الجديد المؤثث حسب ذوقها واعتبر والدها هذه هدية نبأ حملها الأول، وتمنى أن يكون حفيده الأول ذكراً, وتحقق له ماأراد, فقد انجبت ولداً يضاهي أمه في الجمال فرح الجميع بمقدمهِ وتعلقوا به واحبوه.
أما الزوج فقد كان يحضر الى البيت ضيفاً عزيزاً مكرماً من قبل اهل زوجته, ولكن والدها كان يراقب ويشعر بما كان ينوي هذا الزوج, بماذا يتحدث ويخبرها وهو لا يملك دليلاً على جشعهِ وطمعهِ بها وبما يملك أهلها, ومع الأيام تجاوز الحدود وطلباته المادية تزداد بل وأخذ يؤلبها ضد أهلها لاسيما ضد والدها, وكانت هي ترد على زوجها بأن والدها لم يقصر تجاهنا! يضحك من قولها باستهزاء ويحدثها عما يملك من عقارات واموال, ولايرمي لها الا الفتات، وتنتهي المشاحنة بينهما بأن يترك البيت أياماً لكي يجبرها أن تلبي له مايريد.
على هذا المنوال سارت حياتها معه، وفي يوم زارتها والدتها لتجدها هي وطفلها بمفردهما, وعرفت القصة كاملة فنصحتها ان تطرده وتعود اليهم، الى بيت أهلها, رفضت بشدة بسبب حبها المجنون له, وهو قد اكتشف ضعفها هذا فاستغلهُ.
ولدت طفلها الثاني ثم طفلتها الثالثة.
ولم يتغير بل ازدادت تصرفاته سوءاً, تعبت هي وبدأت تنهار لأتفه الأسباب, لاحظت امها وشقيقاتها ذلك وطلبن من والدهن ان يتحدث معه وإن لم يحسّن اخلاقه معها فعليه أن يهدده بتفريقها عنه.
لم يصدق ما سمع, وكيف يخسر الدجاجة التي تبيض له ذهباً, هو يعطي راتبه الى اهله, ويعيش هو بما تحصل عليه من اهلها.
زارت أهلها يوماً بمفردها وحينما سألتها أمها عن الأطفال اجابتها بأنهم بقوا مع والدهم, لأنني جئت لأمر هام أريد التحدث به مع والدي, دخلت عليه وسط دهشة واستغراب من في البيت, بعد دقائق سمعوا صياح والدهم وطرده لها من البيت, دخلت امها مسرعة فِزعة لتعرف السبب, اكد لها الوالد بأنها تريد حصتها مما أملك, ترثني وأنا حي!! وهذا كله من تدبير زوجها.
تعقدت المشاكل بينهم جميعاً وأمام ضغط الجميع اعطاه والدها مبلغاً من المال لا بأس به ليسكته من اجل ابنته واطفالها, وما هي الا ايام وقد عرف أهلها خبر سفره المفاجئ بعد أن أملها بأنه سيبعث بهم ليلحقوا به, وطال انتظار الجميع, ولم يبعث. مرت السنون سريعة بعدها بعث لها ورقة الطلاق بعد أن جردها من كل ما تملك وعادت الى بيت أهلها واطفالها معها, الذل والمسكنة والمرض واضحة عليها, وبدأت تنتابها نوبات عصبية لتهدأ بعدها وتضم اطفالها الذين يبكون على صدرها.
حدثّها والداها مراراً بأن الأطفال لا ذنب لهم لتجعلهم يعيشون في دوامة حزنها وحيرتها على زوجها الذي تركها بلا سؤال لا عنها ولا عن اطفاله؟
ذهبت الى اهل زوجها تخبرهم بكل شيء عن معاناتها، اجابوها ببرود: انت تعرفينه جيداً إنه انسان بلا ضمير ولا قلب، لماذا رضيت به؟
اجابتهم: أنا اعشقه, أحبه. وخرجت من بيتهم على غير هدى، تأخرت في العودة الى اهلها، بكى اطفالها لغياب أمهم, وكانت والدتها تنتظرها عند الباب, ثم جاءت. لم ترد على اسئلة والدتها، احتضنت اطفالها ودخلت غرفتها, نادى والدها عليها للعشاء, من اجل اطفالها الذين لم يأكلوا شيئاً من وقت خروجها, لم تجبهم فطلبت والدتها أن يتركهم لكي يرتاحوا وهي ستأخذ عشاءهم الى غرفتهم. بعد فترة صعدت أمها حاملة الأكل معها لتفتح الباب وتفاجأ بما رأت، هوت صحون الأكل وبدأت تستغيث بكل منْ في البيت هبّوا جميعاً الى حيث غرفتها, فوجئوا بما رأوا أختهم واولادها الثلاثة ممددين على الأرض بلا حراك.
اتصلوا بالنجدة والشرطة والإسعاف ليعرفوا بعد ساعات بأنهم قد فارقوا الحياة بعد أن شربوا الماء المسموم من قبل أمهم ليتخلصوا جميعاً من الحياة, اذ لم تتركهم عالة على اهلها وبهذا ماتت عائلة كاملة ليحيا والدهم
الذي بلا ضمير والذي باعهم من اجل طمعه ونزواتهِ.
فأي عقاب ينتظره؟ واي عقاب ينتظرها؟
لترفرف فراشاتهم الثلاث بعيداً عنهم… بعيداً عنهم.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.