جسر الأئمة شريان المحبة بين الأعظمية والكاظمية

34

عامر جليل ابراهيم /

في بغداد شواهد كثيرة ، مهما كتبنا عنها، نشعر اننا مقصرون امام عظمة بغداد و تاريخها و تراثها الخالد. في سلسلة ( أمكنة ) ، نتحدث في هذا العدد عن جسر الأئمة الذي يربط الأعظمية بالكاظمية و بين مقبرتين: قريش الخيزران اللتين تضمان رفات الكثير من أئمة الدين والعلماء، ومن بينهم الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) والإمام أبو حنيفة النعمان (رضوان الله عليه).
في بدايته، كان هذا الجسر خشبياً لعبور المشاة والسيارات، وكان متحركاً لتسهيل عبور ومرور (الدوَب) والسفن الصغيرة حين كان نهر دجلة عريضاً وعميقاً.
تسمياته
بعد مدٍّ وجزر وخلافات على اسم الجسر، الذي كان أهالي الكاظمية يسمونه جسر الكاظم نسبة الى تسمية المدينة، فيما كان أهالي الأعظمية يسمونه جسر الأعظمية، لذا قررت الحكومة، أيام العهد الملكي، تسميته باسم يرضي جميع الأطراف وبعيداً عن الخلافات فأطلق عبد المجيد علاوي (الوزير حيننئذ) عليه اسم جسر الأئمة.
تاريخه
هذا الجسر هو خامس جسر ثابت من بين اثني عشر جسراً شيّدت في بغداد الى يومنا هذا، قبله كان الجسر القديم طائفاً على النهر وكان يربط الضفتين بطوّافات من الحديد متلاصقة ومربوطة بحبال متينة، أشبه بالجسور العسكرية المؤقتة العائمة.
قصص وحكايات ظريفة
كانت الطوّافات أو الحبال تفتح أو تتمدد بسبب سرعة سريان المياه وارتفاع منسوبها والأمواج التي تحدث فيستيقظ الناس ليجدوا أن جسرهم قد اختفى.
ويتطوع أغلب الناس في المنطقة للبحث عنه فيجدونه راسياً على بعد كيلومترات، وتتم إعادته وسط فرحة الأهالي وزغاريد النسوة والموسيقى الشعبية.
من الجدير بالذكر أيضاً أن هذا الجسر كان قد انتهى دوره بعد الحرب العالمية الثانية ليتم بناء جسر قوي يسهم في خدمة الناس من خلال التنقل والعبور من وإلى المناطق الأخرى، ويساعد التجار في نقل بضائعهم بسهولة، لذا بدأت شركة بريطانية ببناء جسر حديث عام 1377هـ/ 1957م.. وقد اتخذ المهندسون من جسر (باترسي) في لندن نموذجاً لبناء جسر الأئمة.
الكارثة
في يوم 31 آب 2005م وقعت الكارثة، فقد ابتلع نهر دجلة قرابة الـ1400 شخص بين رجال ونساء وأطفال وشيوخ كانوا يؤدون طقوسهم في مراسم زيارة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، بعدما أقدم أشخاص مغرضون على ترويج إشاعات بوجود انتحاريين بينهم ما أثار الذعر في نفوسهم، وفي خلال تلك اللحظات الصعبة هبّ أهالي منطقة الأعظمية الى إنقاذ الغرقى وانتشالهم من النهر، وغرق على إثرها أكثر من عشرة غواصين كان من بينهم الشهيد الشاب عثمان العبيدي الذي أنقذ العشرات قبل غرقه..
إعادة افتتاح الجسر
بتاريخ 11/ تشرين الثاني / 2008 أعادت الجهات الأمنية فتح الجسر بعد أن كان مغلقاً لمدة ثلاث سنوات وتبادل أهالي المنطقتين القبلات عند لقائهم على الجسر الذي زينته الأعلام العراقية والألوان الزاهية ونحر الأهالي الخراف عند بداية الاحتفال الذي حضرته شخصيات بارزة في الدولة.
يقول أحد أولاد الحاج المرحوم عطا الأعظمي، وهم من العوائل القديمة في الأعظمية الذين يشتهرون ببيع المواد الغذائية جملة ومفرد، إن هذا الجسر له أهمية خاصة عند أهالي الأعظمية لأن زوار الإمام موسى الكاظم عليه السلام يسلكون هذا الطريق الذي يعتبر مختصراً ويقومون بالتبضع وشراء الحاجيات من المحال الموجودة في المنطقة. وعندما إغلق الجسر أصبحت المنطقة خالية من التسوق. وهذا الجسر له أهمية خاصة في نفوس كل العراقيين بكل مذاهبهم وهو جامع للنسيج المذهبي ونحن نعتبر أن لا حياة بدون هذا الجسر.
ويقول أبو عمر الأعظمي، وهو أيضاً من أهالي الأعظمية: عندما وقعت حادثة الجسر، التي كانت مفجعة جداً لكل العراقيين وأغلق الجسر بسببها، تضررت كل المهن التي تعمل في جانب الأعظمية وانقطع التواصل مع أهالي الكاظمية انقطاعاً تاماً، لكن الأمور والحمد لله عادت الآن كما كانت في السابق.
وعجز كاظم الحيالي عن التعبير عن عواطفه فيقول: لا أجد كلمات تستطيع أن تعبِّر عما أشعره، فيكفي هذا الجسر أنه يجمع بين الأعظمية والكاظمية.
والآن الجسر بحلّته الجديدة بعد رفع الجدار الكونكريتي واستقرار الأوضاع الأمنية, وفتح الطريق بمسارين أمام العجلات ذهاباً وإياباً, عاد طريقاً حيوياً بين منطقتين تجمعان النسيج العراقي بأطيافه, ألا وهما الكاظمية والأعظمية.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.