فلليني.. طفل الضوء المدلل

37

مقداد عبد الرضا /

حول الدخول الى السينما يقول بورخس: أرى أن أفلام رعاة البقر تمثل الرجوع الأمثل للأدب الملحمي الذي يندر وجوده الآن, ذلك أن العصابات التي تموت بشجاعة تجعل عيني تنهمر بالدموع وربما يمثل هذا أحد الملامح في قصصي ومقالاتي التي تمجد الشر المتهور عديم الدافع الذي يبزغ كالصدفة, وقد يبوء بالفشل او القتل او وصال النساء في هجمة لامبرر لها سوى التهور, أعشق الأفلام الأمريكية بدافع من التسلية الآنية او المتعة الغفل, إن هوليوود قد قدمت كل الملاحم بطريقة تثير السخرية والكذب.
* في حوار أجراه جوفياني كرازيني مع المخرج فيدريكو فلليني قبل رحيله بفترة يعطي دروساً غنية في الحياة وفي وجهات النظر الثقافية والفنية.

رائحة الشيخوخة
ك: لابد للزمن من ان يكون واحدا من وساوسك الملحة؟
ف: الزمن, انني أبدا أكرر هذه المفردة مع نفسي حتى تقتنع بالقوة التعسفية التي يفرضها الزمن علي, وحتى لا انسى ذلك فانني احاول الانصات الى روحي واعرف فيما اذا كان ثمة شيء ما قد تغير, انكسر او تصدع, اوبعبارة اخرى كيف يفكر رجل جاوز الستين من زمنه؟ حينما جئت الى روما لاول مرة اقمت في نزل وسط المدينة, جاري من روما كان قد تعدى الاربعين من زمنه, كان غرائبي الطبع, يحاول جاهدا الاهتمام بمظهره من اجل ان يبدو اكثر شبابا, يمضي جل وقته عند الحلاق, يستخدم اقنعة التجميل الشمعية, وفي ايام الآحاد يمضي اليوم كله مستلقيا في سريره, وحينما يحل المساء يخلد الى النوم واضعا شريحتي لحم نيّئ فوق خديه, يربطهما بمطاط وعند الصباح كنت المحه يخرج من غرفته بكامل اناقته, يغلق الباب خلفه, يقف لحظات دون حراك واضعا يده فوق اكرة الباب, ثم فجاة يفتح الباب ويدفع براسه الى الغرفة ثم ياخذ نفسا عميقا. دفعني الفضول لأسأله ذات مرة لم يمارس هذا الطقس؟ في البداية رفض الاجابة, لكنه بعد ان شعر بأن فضولي قد بدأ يزعجه قال لي: انني ادفع براسي الى داخل الغرفة لأشم فيما اذا كانت هناك رائحة شيخوخة, لقد دعاني لاجرب ذلك بنفسي, اغلق الباب بهدوء وفجاة فتحه وطلب مني ان ادخل راسي لأشم هواء الغرفة, قال لي: هل تشم رائحة النتانة؟ حملت هذا الكابوس طويلا معي حتى انه استولى علي تماما اذ كنت في بعض الاحيان افتح باب غرفتي بسرعة واستنشق هواءها.
(يلاحظ كرازيني ان هناك كمية هائلة من الرسومات المتنوعة فوق مكتب فلليني مما اثار استغرابه)
ك: لم كل هذا الكم الهائل من الرسومات والتخطيطات فوق مكتبك؟
ف: في بداية كل فيلم امضي وقتا طويلا ارسم بعبث, رسومات لاشياء مختلفة منها ماهو قبيح جدا, انها طريقتي لتعقب الفيلم التي تكاد تشبه لعبة الخروج من المتاهة.
ك: هل تعتقد انك حققت نجاحا بانتقالك من رسم الكاركتير الى السينما ؟
ف: انني ميال لأي شيء يحفز الخيال ويعطيني رؤيا رائعة عن العالم, اظن ان عالم الابراج هو نظام محفز وطريقة مثيرة لاطلاق المخيلة واعطائها معاني خاصة بها لكن التيقن بها هو نوع من هراء, اذا كان الانسان يؤمن في السابق بهذا السخف, فان زماننا هذا لم يعد يسمح به على الاطلاق, مازلنا نعيش احلاما هي نفسها قبل الاف السنين, المخاوف نفسها, احب ان اكون خائفا, هذا شعور حسي يمنحني الكثير من السعادة, ان التخلي عن الخوف يعني وجود الكثير من اللامبالاة, المجانين لايشعرون بالخوف وكذلك الانسان السوبرمان.
ك: مامدى علاقتك بالضوء؟
ف: لقد تحدثت عن الضوء مرارا, حينما ادخل غرفتي اتحول الى طفل, تبدأ لعبتي الاثيرة الى نفسي , اللعب بالضوء, انه يحيلني الى طفل غر, اندهش من الظلال التي يلقيها الضوء, الضوء مشاعر, لون, نغمة, عمق تفكير, سرد حكاية, يقلل, يلغي, يخلق, يعزز فكرة, يعطي للسحر والاحلام صفة حقائق يمكن تصديقها والقبول بها.
ك: ماهي احلامك؟
ف: لقد ساعدني يونغ كثيرا وله دور كبير في تطوير قدراتي الفكرية واكتشاف نظرية الحياة وبخاصة في فيلم (5/8) ودفع بي لاكتشاف الكثير من التضاريس التي كانت عصية, كنت اظن انني اعاني من نقطة ضعف كبيرة هي عدم المامي بشكل عام باى شىء, اية ضرورة ان تكون لدي معلومات عامة عن شىء ما؟ قراءة يونغ حررتني من الشعور بالذنب وعقدة الدونية والوضاعة التي كنت سجينا لها فيما مضى.
ك: هل يلغي يونغ دور فرويد لديك؟
ف: لاقدرة لي على اعطائك ردا علميا حول هذين المفكرين, لقد جاءا بالكثير فيما يخص النفس البشرية , نحن نشارك ونتلقى افكارهما بشكل واسع, قرات القليل عن فرويد ولربما كان افضل من يونغ من الناحية الادبية ولكن صلابته التي انا شخصيا معجب بها تحيلني للشعور بعدم الارتياح, فرويد معلم كبير لكن يونغ رفيق درب طويل, اخ وحكيم وعالم وعراف, اقل غرورا بنفسه وبالاكتشافات التي توصل اليها, فرويد يريد ان يفسر لنا ماهيتنا, كينونتنا لندرك انفسنا جيدا لنراها باعيننا, احب تواضع يونغ العلمي في مواجهة لغز الحياة, لاتسلط في افكاره وفلسفته, انه يقترح فقط, يثري, ويطور انفسنا ويعطينا مساحة اكبر للحلم والتصور اليقظ .
ك: الكثير من الشباب متاثر بك, مارأيك بهم؟
ف: اكاد لا اعرفهم ولا اعرف اين هم وماذا يفعلون, لا ارى فيهم شيئا مثيرا بالنسبة لي, اتساءل دائما, ماذا حل بزماننا هذا من سوء؟ انهم مغرورون ويبدو انهم قدموا بسفن فضائية كانهم يعرفون كل شيء وهم اصلا فارغون من من اى شيء, ماحصل بين 1950-1970 كان فظيعا, فارق كبير, جيل عاقل وحكيم يسلم الى جيل قد توقف عن ممارسة الحياة الحقة, انه من غير المعقول ان نضع زمام امورنا بيد شباب نعتبرهم مصدر حقائق.
ك: الا ترى ان الارهاب بدرجة معينة سيكون المحصلة الاخيرة؟
ف: الموقف برمنه يبدو معقدا جدا, ان الارهاب حقيقة حاولت دراسته وفهمه, كيف يمكن لشاب ان يطلق النار على راس انسان لايعرفه؟ كيف يتسنى له ان يواصل حياته وهو يحمل كل هذا السوء والعنف بداخله؟ لقد اعتدنا على نمط من التفكير بان الحرب تبرر القتل, حتى ان بعض الشعراء يمجدون ذلك, ان اى قتل مهما كان نوعه او طريقته هو الوحشية بعينها, انا لا احترم الانسان بحجة احترام المنظور التاريخي , يخبرنا بضرورة عدم شجب الارهاب بحجة ان بعض الجرائم تعد من الاعمال الوطنية مستقبلا, شخصيا لا املك اى منظور تاريخي, والمنظور التاريخي برمته بالنسبة لي لااهمية له, انني اهتم بالحياة يوما بيوم, اهتم بما استطيع انجازه طالما انا على قيد الحياة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.