محنة مربّي الكلاب

98

مقداد عبد الرضا /

في اللحظة التي نودي على اسم مارشيللو فوتني وهو مارشيللو في فيلم (مربي الكلاب) ليتسلم جائزة افضل ممثل عن دوره والاداء المذهل في فيلم المخرج ماتيو كوراني,ظهر انه غير مصدق بانه حاصل على هذه الجائزة, لقد اعادنا الى تلك اللحظات الرائعة والآسرة من ادائه في الفيلم.
هذه البراءة والعفوية نادرا ماتجدها في عالمنا العربي,ان تكون ممثلا يعني ان تكون ساحرا, مارشييلو فونتي كان ساحرا بحق واستحق جائزة كان برافو كبيرة.
هو المساء ككل مساء يمر على هذه القرية الصغيرة الوادعة التي تنام فوق وسادة البحربعدة بيوت وبضع محلات وتلك مراكب لا نراها لان الريح لاتواتيها وتحركها, هي قرية ساكنة, وبما انها قرية فلابد من وجود اناس يسكنونها, عقلاء ومجانين ومغفلين وغانيات ومجرمين مثل سيموني البطل الاخرق متعاطي الكوكايين واشخاص وجلين وخائفين مثل مارشيللو, كل هؤلاء سيسردون لنا فيلما اخاذا في محتواه وسحر اداء عند مارشيللو مربي الكلاب والذي هو اسمه الحقيقي (حاز على سعفة كان في دورته الاخيرة كافضل ممثل), مارشيللو هذا يبدو انه ضنين ومتعب وحينما تتطلع اليه لاتفكر حتى ان تضعه في اطار صورة, فهوصغير الحجم ضئيل ذو وجه طويل وملامحه تدل على الانسحاب والفزع, انك لاتملك حينما ينفعل او يرتبك ان ترى كل بؤس العالم ينام بين عينيه وربما من كثرة ماعاش مع الكلاب وتربيتها صار يحرك راسه مثلها, تنفتح الكاميرا بلقطة متوسطة على وجه كلب يعلن عن شراسته بشكل مفزع, انه محل تربية كلاب يعود لمارشيللو الذي ياخذ على عاتقه العناية بهذه الكلاب والاتجار بها, تتوالى اللقطات على وجوه عدة لمجموعة من الكلاب وباشكال مختلفة مربوطة الى الجدار بسلاسل متينة, هذه الشراسة التي تتمتع بها كلاب مارشيللو تعرف طريقها الى صوته وهدهداته, فهو يحدثها بكثير من المودة والالفة فتستكين وتهدا, ولولا هذه الالفة والاستكانة لمزقته, لاتصلح القرى ان نطلق عليها تسمية ان لم يكن يعيش فيها مجانين ومغفلون واسوياء وسفلة وغانيات وسكارى, لامدينة او قرية دون مطر, الاسوياء عادة تقع عليهم الرزايا والمصائب, مارشيللو ينتظر جاره صاحب محل المجوهرات ليذهباالى مطعم القرية للافطار, فجاة تحيط عيناه كفان صغيران ليحدس من صاحب هاتين الكفين الصغيرين, انها ابنته اليدا التي يحبها حبا جما من طليقته, نحن لانعرف لم انفصل عن زوجته لكن العلاقة ظلت في اطار الاحترام, الام تطلب من ابنتها ان تعتني بابيها وتعود لتاخذها عصرا, اليدا تساعد الاب في تنظيف بعض الكلاب, لكن هذه الحميمية لايراد لها ان تستمر اذ في الاثناء يدخل سيموني الى المكان بقامته الكبيرة وشكله القاسي وسلوكه القذر الذي سنرى كيف يتمكن من تدمير حياة مارشيللو بالكامل, مارشيللو يخشى سيموني جدا ويحاول ارضاءه باى شكل من الاشكال لذلك نراه لايتاخر في تنفيذ اى شىء يطلبه منه, دفعة واحدة يدخل الى المحل لنجد ان عشرة من رجال الشرطة يلاحقونه لانه اعتدى بالضرب على شخصين من روما, سيموني هذا لاتحبة كل القرية وتحاول ان تتجنبه, سيموني يعرف بان مارشيللو يبيع سرا الكوكاين لذلك يطلبه منه باستمرار, يعتذر عن تلبية طلبه لان اليدا ابنته موجودة وبالامكان ان يوفره حالما تذهب لكن اصرار سيموني يجعل مارشيللو ينصاع وفي غفلة من ابنته يجلب له مايريد, هذا الصراع بين مارتشللو وسيموني يظل وكانه لعبة قط وفار, عند منتصف الليل تمر دراجة لتطلق النار على سيموني, يحمله مارتشيللو الى بيته وهناك تتم معالجته فهو لايمكنه الذهاب الى المشفى لانه مطلوب للعدالة, يتم اخراج الرصاصة وتكتشف الام كيس الكوكايين في سترة ولدها ويجن جنونها وتنهار واثناء ذلك وباصبعه يؤشر سيموني الى مارتشللو ان يقوم بجمع مسحوق الكوكايين الذي نثرته الام على الارض, كم يبدو هذا الابن اخرق وقاسيا في هذا المشهد؟ الى ان تاتي اللحظة الاقسى في هذا التوتر, سيموني يطلب من مارتشيللو مساعدته بالقيام بسرقة محل المجوهرات الملاصق لمحله, وفي اداء رائع من قبل مارتشللو يظل يتوسل ويرفض, القرية كلها تحب مارتشللو ولايمكن خيانتهم, بتهديد مصوب بخوف يحاول مارتشللو اقناع سيموني بالعدول عن هذا الامر
-انت لاتخيفني, انا من يصنع الخوف.
دائما العتاة هم الذين يصنعون الخوف ودائما يلتهم البطل المساكين والفقراء من اجل ان يصبح بطلا اخرق, في النهاية يجبر سيموني مارتشللو على سرقة محل المجوهرات ويتم التحقيق ليزج مارتشيللو في السجن بعد ان يختفي سيموني الذي وعد ان تكون السرقة مناصفة, حتى في هذه اللحظات التي يتم التحقيق فيها مع مارتشللو يرفض الاعتراف بان من قام بالسرقة وخطط لها لانه يخاف, من الممكن ان يتخلى البطل عن اناسه باتهامه اياهم بالخيانة واعترافهم هم بذلك حتى وان لم بفعلوا شيئا, يموت هؤلاء وهم يهتفون بحياة البطل الاخرق, يودع مارتشللو السجن لمدة عام ويعود بعدها مطاطىء الراس فالقرية بكاملها ترفضه ويطالبونه بالرحيل بعيدا, الوحيدة التي تستقبله هي ابنته اليدا, فجاة يظهر سيموني ويرتبك مارشيللو مرة اخرى, هل يتابعه وياخذ منه نصف السرقة ام يتركه لان حبه لاليدا ابنته يمنعه من ذلك, لم نشاهد ما الذي حدث له في السجن خلال العام الذي قضاه فيه لكن التحطيم الذي نراه واضحا من خلال الاداء الرائع جعلنا نعرف مادار هناك, يقرر مارشيللو متابعة سيموني والحصول على نصف السرقة, سيموني ينكر عليه ذلك, يطلب ان يعوضه بدراجته, يرفض ذلك وفي لحظة انفعال وهياج يقوم مارشيللو بتحطيم الدراجة مما دفع بسيموني الى الجنون فيقوم بضرب مارشيللو ضربا مبرحا ويترك اثارا على وجهه, هنا يخطط مارشيللو للانتقام ويحاول ان يقنعه بالدخول الى احد اقفاص الكلاب حتى يشعر بالقوة ويستطيع ان يفعل مايريد وبالمقابل هناك البعض من مسحوق الكوكاين, ينجح مارشيللو في سعيه ويبدا بمعاقبة سيموني الذي يجن داخل القفص ويصبح احد كلاب مارشيللو, اخيرا ينجح بكسر القفص وقبل ان يخرج ينهال مارشيللو على راسه بقضيب من حديد ويشجه ومع هذا يظل الخوف داخل البريء من البطل الاخرق, يحاول مارشيللو ان يخيط جرح سيموني وفي لحظة اقترابه منه يلف سيموني ذراعه حول رقبة مارشيللو ليقتله, يضغط كثيرا وفي لحظة فزع قصوى والكلاب تتطلع الى هذا المشهد يدوس مارشيللو بقدمه على سلسلة الكلب فتلتف حول رقبة سيموني وتقتله, يحمله مارشيلو ويقوم بحرقه لكنه يعود الى القرية مسرعا ليبشر اهلها بما فعل, انهم مستمرون باللعب ولايعيرون له انتباها, في المشهر الاخير واداء رائع من مارشيللو خليط من حزن وخيبة وانفعال يحمل مرة اخرى جثة سيموني ويتبعه كلب ليلقي بها في ملعب اطفال صغير والحزن يكاد يسحق قلبه, احيانا تحت ضغوط البطل الاخرق نخسر الكثير ونقوم بافعال نخجل منها لاننا ابرياء .

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.